الصفحة 40 من 69

علي رضي الله عنهما، فأقام ستة أشهر، ثم سلّم الأمر إلى معاوية، تحقيقًا لما ثبت في الصحيح عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "إن ابني هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" [1] وبقي معاوية بعد ذلك عشرين سنة، ومات سنة ستين.

ومما يبيّن كذب ما ذكره هذا الرافضي أنه لم يتأخر إسلام أحد من قريش إلى هذه الغاية، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم قد بعث أبا بكر عام تسع بعد الفتح بأكثر من سنة ليقيم الحج، وينادي أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. في تلك السنة نُبذت العهود إلى المشركين، وأجلّوا أربعة أشهر، فانقضت المدة في سنة عشر، فكان هذا أمانًا لكل مشرك من سائر قبائل العرب، وغزا النبي صلّى الله عليه وسلّم غزوة تبوك سنة تسع لقتال النصارى بالشام، وقد ظهر الإسلام بأرض العرب.

ولو كان لمعاوية من الذنوب ما كان لكان الإسلام يَجُبُّ ما قبله، فكيف ولم يُعرف له ذنب يهرب لأجله، أو يُهدر دمه لأجله؟! وأهل السير والمغازي متفقون على أنه لم يكن معاوية ممن أهدر دمه عام الفتح. فهذه مغازي عُروة بن الزبير، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق، والواقدي، وسعيد بن يحيى الأموي، ومحمد بن عائذ [2] ، وأبي إسحاق الفزاري وغيرهم. وكتب التفسير والحديث كلها تنطق بخلاف ما ذكره ويذكرون من إهدار النبي صلّى الله عليه وسلّم دمه، مثل مَقْيس ابن حُبابة وعبد الله بن خَطَل، وهذان قتلا. وأهْدَر دم عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم بايعه. والذين أهدر دماءهم كانوا نفرًا قليلًا نحو العشرة.

(1) الحديث عن أبي بكرة رضي الله عنه في:

البخاري 3/ 186 (كتاب الصلح، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم للحسن بن علي رضي الله عنهما إن ابني هذا سيد ... ) ، 4/ 204 - 205 (كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام) ، 5/ 26 (كتاب فضائل أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما) ، 9/ 56 - 57 (كتاب الفتن، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم للحسن بن علي إن ابني هذا لسيد ... ) ولفظ البخاري: ... ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين وفي لفظ:

والحديث أيضًا في:

سنن أبي داود 4/ 229 - 300 (كتاب السنة، باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة) ، سنن الترمذي 5/ 323 (كتاب المناقب، باب حدثنا محمد بن بشار ... ) ، سنن النسائي 3/ 87 - 88 (كتاب الجمعة، باب مخاطبة الإمام رعيته وهو على منبر) .

(2) هو محمد بن عائذ بن أحمد القرشي الدمشقي، ولد سنة 150 وتوفي سنة 233 ومن كتبه كتاب"السير". انظر ترجمه في: تهذيب التهذيب 9/ 241 - 242؛ شذرات الذهب 2/ 78؛ الأعلام 7/ 48.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت