الهدي، فإنه يبقى على إحرامه إلى أن يبلغ الهديُ محله. وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم وعليّ وطلحة وطائفة من أصحابه قد ساقوا الهَدْيَ فلم يحلّوا، وكانت فاطمة وأزواج النبي صلّى الله عليه وسلّم ممن لم يسق الهدى فحللن. والأحاديث معروفة في الصحاح والسنن والمسانيد.
فعُرف أنه لم يقصِّر معاوية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في حجة الوداع, ولكن من اعتقد ذلك أباح للمتمتع السائق للهدي أن يقصِّر من شعره، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، كما أنه عنه رواية أنه إذا قدم قبل العشر حلَّ من إحرامه. ومالك والشافعي يبيحان لكل متمتع أن يحلّ من إحرامه وإن ساق الهدي. وأما أبو حنيفة وأحمد - في المشهور عنه - وغيرهما من العلماء فيعلمون بالسنة المتواترة أن سائق الهدي لا يحلّ إلى يوم النحر [1] .
وتقصير معاوية عن النبي صلّى الله عليه وسلّم على هذا قد كان قبل حجة الوداع: إما في عمرة القضية - وعلى هذا فيكون قد أسلم قبل الفتح كما زعم بعض الناس، لكن لا يعرف صحة هذا - وإما في عمرة الجعرانة، كما روي أن هذا التقصير كان في عمرة الجعرانة، وكانت بعد فتح مكة، وبعد غزوة حنين، وبعد حصاره للطائف؛ فإنه صلّى الله عليه وسلّم رجع من ذلك فقسَّم غنائم حُنين بالجعرانة، واعتمر منها إلى مكة، فقصَّر عنه معاوية رضي الله عنه، وكان معاوية قد أسلم حينئذ، فإنه أسلم عند فتح مكة، واستكتبه النبي صلّى الله عليه وسلّم لخبرته وأمانته، ولا يُعرف عنه ولا عن أخيه يزيد بن أبي سفيان أنهما آذيا النبي صلّى الله عليه وسلّم، كما كان يؤذيه بعض المشركين.
وأخوه يزيد أفضل منه. وبعض الجهّال يظن أن يزيد هذا هو يزيد الذي تولّى الخلافة بعد معاوية، وقُتل الحسين في زمنه، فيظن أن يزيد ابن معاوية من الصحابة، وهذا جهل ظاهر؛ فإن يزيد بن معاوية وُلد في خلافة عثمان، وأما عمّه هذا فرجل صالح من خيار الصحابة، واستعمله الصديق أحد أمراء الشام، ومشى في ركابه، ومات في خلافة عمر، فولَّى عمر رضي الله عنه أخاه معاوية رضي الله عنه مكانه أميرًا، ثم لما وَلِيَ عثمان أقرّه على الإمارة وزاده، وبقي أميرًا إلى أن قُتل عثمان ووقعت الفتنة، إلى أن قُتل أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه وبايع أهل العراق الحسن بن
(1) يقول ابن قدامة في"المغني"3/ 351:"فأما من معه هدي فليس له أن يتحلل، لكن يقيم على إحرامه ويدخل الحج على العمرة، ثم لا يحل حتى منها جميعًا. نص عليه أحمد، وهو قول ابن حنيفة. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يحل للتقصير من شعر رأسه خاصة ولا يمس من أظفاره وشاربه شيئًا، وروى عن ابن عمر، وهو قول عطاء، لما روى عن معاوية قال:"قصرت من رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بمشقص عند المروة"متفق عليه. وقال مالك والشافعي في قول: له التحلل ونحر هديه. ويستحب نحره عند المروة".