الصفحة 38 من 69

وقد أسلم عكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية، وكانا من خيار المسلمين، وأبواهما قتلا ببدر. وكذلك الحارث بن هشام قُتل أخوه يوم بدر. وفي الجملة بهذا طعن في عامة أهل الإيمان. وهل يحل لأحد أن يطعن في عليّ بأن عمه أبا لهب كان شديد العداوة للنبي صلّى الله عليه وسلّم؟ أو يطعن في العبّاس رضي الله عنه بأن أخاه كان معاديًا للنبي صلّى الله عليه وسلّم؟ أو يعيّر عليًا بكفر أبي طالب أو يعير بذلك العباس؟ وهل مثل ذلك إلا من كلام من ليس من المسلمين؟

ثم الشعر المذكور ليس من جنس الشعر القديم، بل هو شعر رديء.

وأما قوله:"إن الفتح كان في رمضان لثمان من مقدم النبي صلّى الله عليه وسلّم المدينة"فهذا صحيح.

وأما قوله:"إن معاوية كان مقيمًا على شِرْكِهِ هاربًا من النبي صلّى الله عليه وسلّم، لأنه كان قد أهدر دمه، فهرب إلى مكة، فلما لم يجد له مأوى صار إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم مضطرًا فأظهر الإسلام، وكان إسلامه قبل موت النبي صلّى الله عليه وسلّم بخمسة أشهر".

فهذا من أظهر الكذب؛ فإن معاوية أسلم عام الفتح باتفاق الناس، وقد تقدّم قوله:"إنه من المؤلفة قلوبهم"والمؤلفة قلوبهم أعطاها النبي صلّى الله عليه وسلّم عام حنين من غنائم هَوَازن، وكان معاوية ممن أعطاه منها، والنبي صلّى الله عليه وسلّم كان يتألّف السادة المُطاعين في عشائرهم، فإن كان معاوية هاربًا لم يكن من المؤلفة قلوبهم، ولو لم يسلم إلا قبل موت الني صلّى الله عليه وسلّم لم يعطَ شيئًا من غنائم حنين.

ومن كانت غايته أن يؤمن لم يحتج إلى تأليف. وبعض الناس يقول: إنه قد أسلم قبل ذلك، فإن في الصحيح عنه أنه قال:"قصّرت عن النبي صلّى الله عليه وسلّم على المروة"رواه البخاري ومسلم [1] ولفظه: أعلمت أني قصّرت من رأس رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند المروة بِمِشْقَصْ؟ قاله لابن عباس، وقال له: لا أعلم هذا حجة إلا عليك. وقد قيل: إنه كان في حجة الوداع، ولكن هذا بخلاف الأحاديث المروية المتواترة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم، فإنها كلها متفقة على أن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يحل من إحرامه في حجة الوداع إلى يوم النحر، وأنه أمر أصحابه أن يحلّوا من إحرامهم الحلّ كله، يصيروا مُتمتعين بالعمرة إلى الحج، إلا من ساق

(1) الحديث - مع اختلاف في الألفاظ - عن ابن عباس عن معاوية رضي الله عنهم في: البخاري 2/ 174 (كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال) ؛ مسلم 2/ 913 (كتاب الحج، باب الحلق والتقصير عند الإحلال) ؛ مسلم (كتاب المناسك، باب في الإقران) ؛ سنن النسائي 5/ 196 - 197 (كتاب المناسك، باب أين يقصر المعتمر) ؛ المسند (ط. الحلبي) 4/ 96، 97، 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت