فهذا من الكذب المعلوم؛ فإن معاوية إنما كان بمكة، لم يكن باليمن، وأبوه أسلم قبل دخول النبي صلّى الله عليه وسلّم مكة بمر الظهران ليلة نزل بها، وقال له العباس: إن أبا سفيان يحب الشرف، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن" [1] .
وأبو سفيان كان عنده من دلائل النبوة ما أخبره به هرقل ملك الروم، لما سافر إلى الشام في الهدنة التي كانت بين النبي صلّى الله عليه وسلّم وبينهم [2] ، وما كان عنده من أمية بن الصلت، لكن الحسد منعه من الإيمان، حتى أدخله الله عليه وهو كاره، بخلاف معاوية فإنه لم يُعرف عنه شيء من ذلك، ولا عن أخيه يزيد.
وهذا الشعر كذب على معاوية قطعًا؛ فإنه قال فيه:
خلّى ابن هند عن العزّى لقد فرقا ... فالموت أهون من قول الوشاة لنا
ومعلوم أنه بعد فتح مكة أسلم الناس وأُزيلت العُزَّى بَعَثَ النبي صلّى الله عليه وسلّم إليها خالد بن الوليد، فجعل يقول:
إني رأيت الله قد أهانك ... يا عزّ كفرانك لا سبحانك
وكانت قريبًا من عرفات، فلم يبق هناك لا عُزّى ولا من يلومهم على ترك العزّى، فعُلم أن هذا وضع بعض الكذّابين على لسان معاوية. وهو كذّاب جاهل لم يعلم كيف وقع الأمر.
وكذلك ما ذكره من حال جدّه أبي أمية عتبة بن ربيعة وخاله الوليد بن عتبة وعم أمه شيبة بن ربيعة وأخيه حنظلة، أمر يشترك فيه هو وجمهور قريش، فما منهم من أحد إلا وله أقارب كفار، قُتلوا كفارًا أو ماتوا كفارًا، فهل كان في إسلامهم فضيحة؟!
(1) هذا الخبر عن العباس رضي الله عنه جاء في كتب السيرة، فهو في: سيرة ابن هشام 4/ 46؛ زاد المعاد 4/ 404؛ جوامع السيرة، ص229، إمتاع الأسماع ص371 - 372. وجاء حديث بمعنى هذا الخبر عن أبي هريرة رضي الله عنه في: مسلم 3/ 1407 - 1408 (كتاب الجهاد والسير، باب فتح مكة) ؛ المسند (ط. الحلبي) 2/ 538. وذكر ابن حجر الحديث في فتح الباري 8/ 12 وقال إنه قد رواه أحمد ومسلم والنسائي من طريق عبد الله بن رباح عن أبي هريرة. وأول الحديث في مسلم:"يا أبا هريرة، ادع لي الأنصار".
(2) حديث أبي سفيان رضي الله عنه مع هرقل ذكره البخاري عن ابن عباس عن أبي سفيان رضي الله عنهم في: 1/ 4 - 6 (كتاب بدء الوحي، باب حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع) .
وذكر البخاري طرفًا منه في 1/ 15 (كتاب الإيمان، باب حدثنا إبراهيم بن حمزة) ، 3/ 180 (كتاب الشهادات، باب من أمر بإنجاز الوعد) وفي مواضع أخرى.