وهذا القول قاله طائفة أخرى ممن يراه أفضل من معاوية، وأنه أقرب إلى الحق من معاوية، ويقولون: إن معاوية لم يكن مصيبًا في قتاله، لكن يقولون مع ذلك: إن الزمان كان زمان فتنة وفُرقة، لم يكن هناك إمام جماعة ولا خليفة.
وهذا القول قاله كثير من علماء أهل الحديث البصريين والشاميين والأندلسيين. وكان بالأندلس من بني أمية يذهبون إلى هذا القول، ويترحّمون على عليّ، ويثنون عليه، لكن يقولون: لم يكن خليفة، وإنما الخليفة من اجتمع الناس عليه، ولم يجتمعوا على عليّ. وكان من هؤلاء من يربع بمعاوية في خطبة الجمعة، فيذكر الثلاثة ويربع معاوية، ولا يذكر عليًّا، ويحتجون بأن معاوية اجتمع عليه الناس بالمبايعة لما بايعه الحسن، بخلاف عليّ فإن المسلمين لم يجتمعوا عليه، ويقولون لهذا: ربّعنا معاوية، لا لأنه أفضل من عليّ، بل عليّ أفضل منه، كما أن كثيرًا من الصحابة أفضل من معاوية وإن لم يكونوا خلفاء.
وهؤلاء قد احتج عليهم الإمام أحمد وغيره بحديث سفينة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكًا". وقال أحمد: من لم يربّع عليّ في الخلافة فهو أضل من حمار أهله. وتكلم بعض هؤلاء في أحمد بسب هذا الكلام، وقال: قد أنكر خلافته من الصحابة: طلحة، والزبير، وغيرهما ممن لا يقال فيه هذا القول. واحتجوا بأن الأحاديث التي فيها ذكر خلافة النبوة لا يُذكر فيها إلا الخلفاء الثلاثة.
مثل ما روى الإمام أحمد في مسنده عن حمّاد بن سلمة، عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يومًا: "أيكم رأى رؤيا؟ " فقلت: أنا يا رسول الله، رأيت كأن ميزانًا دُلِّيَ من السماء فوُزِنْتُ بأبي بكر فرجحت أبي بكر، ثم وُزن أبو بكر بعمر فرجح أبو بكر بعمر، ثم وزن عمر بعثمان فرجح بعثمان ثم رفع الميزان. فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: "خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء" [1] .
(1) ورد هذا الحديث في سنن أبي داود مرتين عن أبي بكرة رضي الله عنه الأولى منهما رواية صحيحة أولها: "من رأى منكم رؤيا؟ " ... الحديث وهو في: سنن أبي داود 4/ 298 (كتاب السنة، باب في الخلفاء) ، سنن الترمذي:"هذا حديث حسن صحيح"وجاء الحديث أيضًا في المستدرك 3/ 70 - 71 (كتاب معرفة الصحابة) 4/ 394 (كتاب تعبير الرؤيا) وقال الحاكم"هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين ولم يخرّجاه".
والرواية الثانية أولها بلفظ "أيكم رأى رؤيا؟ " وفيها الزيادة التي قال فيها النبي صلّى الله عليه وسلّم: "خلافة نبوة، ثم يؤتي الله الملك من يشاء" وهي في الصفحة التالية في سنن أبي داود 4/ 290 وقال المحقق عن هذا الحديث إن فيه علي بن زيد وهو ابن جدعان ولا يحتج بحديثه.
وجاء الحديث في المسند (ط. الحلبي) 5/ 44، 50.
وانظر المسند (ط. الحلبي) 4/ 63، 5/ 376.