الصفحة 18 من 69

السنة، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وهم متفقون على تأخر معاوية وأمثاله من مسلمة الفتح عمَّن أسلم بعد الحديبية، وعلى تأخر هؤلاء عن السابقين الأولين أهل الحديبية، وعلى أن البدريين أفضل من غير البدريين، وعلى أن عليًا أفضل من جماهير هؤلاء - لم يُقدَّم عليه أحد غير الثلاثة، فكيف ينسب إلى أهل السنة تسويته بمعاوية، أو تقديم معاوية عليه؟

نعم مع معاوية طائفة كثيرة من المروانية وغيرهم، كالذين قاتلوا معه وأتباعهم بعدهم، يقولون: إنه كان في قتاله على الحق مجتهدًا مصيبًا، وأن عليًا ومن معه كانوا إما ظالمين وإما مجتهدين مخطئين، وقد صُنِّف لهم في ذلك مصنفات مثل كتاب"المروانية"الذي صنَّفه الجاحظ [1] ، وطائفة وضعوا لمعاوية فضائل ورووا أحاديث عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في ذلك كلها كذب، ولهم في ذلك حجج طويلة ليس هذا موضعها.

ولكن هؤلاء عند أهل السنة مخطئون في ذلك، وإن كان خطأ الرافضة أعظم من خطأهم. ولا يمكن الرافضة أن ترد على هؤلاء بحجة صحيحة مع اعتقادهم مذهب الإمامية، فإن حجج الإمامية متناقضة، يحتجون بالحجج التي ينقضونها في موضع آخر، ويحتجون بالحجة العقلية أو السمعية مع دفعهم لما هو أعظم منها، وبخلاف أهل السنة فإن حججهم مطَّردة، كالمسلمين مع النصارى وغيرهم من أهل الكتاب، فيمكن لأهل السنة الانتصار لعلي ممن يذمه ويسبه أو يقول: إن الذين قاتلوه أولى بالحق منه، كما يمكن للمسلمين أن ينصروا المسيح ممن كذَّبه من اليهود وغيرهم، بخلاف النصارى فإنهم لا يمكنهم نصر قولهم في المسيح بالحجج العلمية على من كذبه من اليهود وغيرهم.

والمنتقصون لعليّ من أهل البدع طوائف: طائفة تكفره كالخوارج، وهؤلاء يكفِّرون معه عثمان وجمهور المسلمين، فثبت أهل السنة إيمان عليّ ووجوب موالاته بمثل ما يثبتون به إيمان عثمان ووجوب موالاته.

وطائفة يقولون: إنه وإن كان أفضل من معاوية، لكن كان معاوية مصيبًا في قتاله، ولم يكن عليٍّ مصيبًا في قتال معاوية، وهؤلاء كثيرون كالذين قاتلوا مع معاوية، وهؤلاء يقولون - أو جمهورهم -: إن عليًا لم يكن إمامًا مفترض الطاعة لأنه لم يثبت خلافته بنص ولا إجماع.

(1) ينقل الأستاذ عبد السلام هارون في مقدمة كتاب"العثمانية"للجاحظ (ص9) عن المسعودي في كتابه"مروج الذهب" (3/ 253) قوله:"ثم لم يرض بهذا الكتاب المترجم بكتاب العثمانية حتى أعقبه بتصنيف كتاب آخر في إمامة المروانية وأقوال شيعتهم". ولم يذكر بروكلمان هذا الكتاب ضمن كتب الجاحظ المخطوطة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت