الصفحة 17 من 69

مدَّ أحدهم ولا نصيفه" [1] . فنهى خالد ونحوه، من أنفق بعد الفتح وقاتل، أن يتعرضوا للذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا، وبيَّن أن الواحد من هؤلاء لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه.

فإذا كان نهيه لخالد بن الوليد وأمثاله من مسلمة الحديبية، فكيف مسلمة الفتح الذين لم يسلموا إلا بعد فتح مكة؟ مع أن أولئك كانوا مهاجرين؛ فإن خالدًا وعمْروًا ونحوهما ممن أسلم بعد الحديبية، وقبل فتح مكة، وهاجر إلى المدينة هو من المهاجرين، وأما الذين أسلموا بعد فتح مكة فلا هجرة لهم؛ فإن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونيَّة، وإذا استنفرتم فانفروا" رواه البخاري [2] .

ولهذا كان إذا أُتي بالواحد من هؤلاء ليبايعه بايعه على الإسلام ولا يبايعه على الهجرة. ومن هؤلاء أكثر بني هاشم، كعُقيل بن أبي طالب، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكذلك العباس؛ فإنه أدرك النبي صلّى الله عليه وسلّم في الطريق وهو ذاهب إلى مكة، لم يصل إلى المدينة. وكذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلّى الله عليه وسلّم، وهذا غير أبي سفيان بن حرب، وكان شاعرًا يهجو النبي صلّى الله عليه وسلّم، وأدركه في الطريق، وكان ممن حسن إسلامه، وكان هو والعباس مع النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم حُنين لما انكشف الناس آخذين ببغلته. فإذا كانت هذه مراتب الصحابة عند أهل

(1) الحديث - مع اختلاف في الأفاظ - عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في: البخاري 5/ 8 (كتاب أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، باب قول النبي صلّى الله عليه وسلّم لو كنت متخذًا خليلًا) ، مسلم 4/ 1967 - 1968 (كتاب فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة ... ) ، سنن أبي داود 4/ 297 - 298 (كتاب السنة، باب في النهي عن سب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم) ، المسند (ط. الحلبي) 3/ 11، 54، 63، 64، سنن ابن ماجه 1/ 57 (المقدمة، باب فضل أهل بدر) .

وفي اللسان:"المد ضرب من المكاييل وهو ربع صاع، وهو قد مُدّ النبي صلّى الله عليه وسلّم، والصاع خمسة أرطال)."

وقال النووي (شرح مسلم 16/ 93) :"وقال أهل اللغة: النصيف النصف ... ومعناه: لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ ثوابه في ذلك ثواب نفقة أحد أصحابي مُدًّا و نصف مُدّ".

(2) الحديث عن عائشة وابن عباس رضي الله عنهم في: البخاري 4/ 15 (كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير) ؛ مسلم 3/ 1487 (كتاب الإمارة، باب المبايعة بعد فتح مكة ... ) ؛ سنن الترمذي 3/ 74 - 75 (كتاب السير، باب ما جاء في الهجرة) وقال الترمذي:"وفي الباب عن أبي سعيد وعبد الله بن عمرو وعبد الله بن حُبشي"؛ المسند (ط. المعارف) 3/ 307 - 308، 4/ 127، 321. والحديث في مواضع أخرى في البخاري والنسائي وابن ماجه والدارمي والمسند.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت