وخطأ المجتهد مغفور. ومنهم من يقول: بل المصيب أحدهما لا بعينه. ومن الفقهاء من يقول: كلاهما كان مجتهدًا، لكن عليّ كان مجتهدًا مصيبًا، ومعاوية كان مجتهدًا مخطئًا. والمصيب له أجران، والمخطئ له أجر. ومنهم من يقول بل كلاهما مجتهد مصيب بناء على قولهم كل مجتهد مصيب، وهو قول الأشعري وكثير من أصحابه، وطائفة من أصحاب أحمد وغيره، ومنهم من يقول: المصيب واحد لا بعينه.
وهذه الأقوال ذكرها أبو عبد الله بن حامد عن أصحاب الإمام أحمد، لكن المنصوص عنه نفسه وعن أمثاله من الأئمة أن ترك القتال كان خيرًا من فعله، وأنه قتال فتنة.
ولهذا كان عمران بن حصين رضي الله عنه ينهى عن بيع السلاح فيه، ويقول: لا يباع السلاح في الفتنة. وهذا قول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ومحمد بن مسلمة، وابن عمر، وأسامة بن زيد رضي الله عنهم، وأكثر من كان بقي من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهو قول أكثر أئمة الفقه والحديث.
وقالت الكرَّامية: بل كلاهما إمام مصيب، ويجوز عقد البيعة لإمامين عند الحاجة، ومن نازعه في أنه كان إمام حق لم يكن الرافضي أن يحتج على إمامته بحجةٍ إلا نَقَضَها ذلك المعارض، ومن سلم له أنه كان إمام حق كأهل السنة فإنه يقول: الإمام الحق ليس معصومًا، ولا يجب على الإنسان أن يقاتل معه كل من خرج عن طاعته، ولا يطيعه الإنسان فيما يعلم أنه معصية لله، أو أن تركه خير من فعله.
والصحابة الذين لم يقاتلوا معه كانوا يعتقدون أن ترك القتال خير من القتال، وأنه معصية، فلم يجب عليهم موافقته في ذلك.
والذين قاتلوه لا يخلو: إما أن يكونوا عصاة، أو مجتهدين مخطئين، أو مصيبين. وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح في إيمانهم ولا يمنعهم الجنة.
فإن الله تعالى قال: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ، إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الحجرات: 9، 10] ، فسمّاهم إخوة ووصفهم بأنهم مؤمنون مع وجود الاقتتال بينهم، والبغي من بعضهم على بعض.
فمن قاتل عليًّا: فإن كان باغيًا فليس ذلك بمخرجه من الإيمان ولا بموجب له النيران، ولا مانع له من الجنان؛ فإن البغي إذا كان بتأويل كان صاحبه مجتهدًا.