الصفحة 13 من 69

وأهل السنة يترحّمون على الجميع، ويستغفرون لهم، كما أمرهم الله تعالى بقوله: {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} [الحشر: 10] .

وأما الرافضي فإذا قدح في معاوية رضي الله عنه بأنه كان باغيًا ظالمًًاًًًً: قال له الناصبي: وعليّ أيضًا كان باغيًا ظالمًا لما قتل المسلمين على إمارته، وبدأهم بالقتال، وصال عليهم، وسفك دماء الأمة بغير فائدة لهم: لا في دينهم ولا في دنياهم، وكان السيف في خلافته مسلولًا على أهل الملة، مكفوفًا عن الكفّار.

والقادحون في عليّ طوائف: طائفة تقدح فيه وفيمن قاتله جميعًا. وطائفة تقول فسق أحدهما لا بعينه، كما يقول ذلك عمرو بن عبيد وغيره من شيوخ المعتزلة، ويقول في أهل الجمل: فسق إحدى الطائفتين لا بعينها، وهؤلاء يفسِّقون معاوية. وطائفة تقول: هو الظالم دون معاوية، كما يقول ذلك المروانية. وطائفة تقول: كان في أول الأمر مصيبًا، فلما حكّم الحكمين كفر وارتد عن الإسلام، ومات كافرًا. وهؤلاء هم الخوارج.

فالخوارج والمروانية وكثير من المعتزلة وغيرهم يقدحون في عليّ رضي الله عنه. وكلهم مخطئون في ذلك ضالّون مبتدعون. وخطأ الشيعة في القدح في أبي بكر وعمر أعظم من خطأ أولئك. فإن قال الذاب عن عليّ: هؤلاء الذين قاتلهم عليّ كانوا بغاة، فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال لعمّار بن ياسر رضي الله عنه: "تقتلك الفئة الباغية" وهم قتلوا عمّارًا. فههنا للناس أقوال: منهم من قدح في حديث عمّار، ومنهم من تأوّله على أن الباغي الطالب، وهو تأويل ضعيف. وأما السلف والأئمة فيقول أكثرهم - كأبي حنيفة ومالك وأحمد ويغرهم: لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية؛ فإن الله لم يأمر بقتالها ابتداءً، بل أمر إذا اقتتلت طائفتان أن يُصلح بينهما، ثم إن بغت إحداهما على الأخرى قوتلت التي تبغي. وهؤلاء قوتلوا ابتداءً قبل أن يبدؤوا بقتال. ومذهب أبي حنيفة وأحمد وغيرهما أن مانعي الزكاة إذا قالوا: نحن نؤديها بأنفسنا ولا ندفعها إلى الإمام، لم يكن له قتالهم، ولهذا كان هذا القتال عن أحمد وغيره - كمالك - قتال فتنة. وأبو حنيفة يقول: لا يجوز قتال البغاة حتى يبدؤوا بقتال الإمام. وهؤلاء لم يبدؤوه بل الخوارج بدؤوا به. وأما قتال الخوارج فهو ثابت بالنص والإجماع.

فإن قال الذاب عن عليّ: كان عليّ مجتهدًا في ذلك. قال له منازعه: ومعاوية كان مجتهدًا في ذلك. فإن قال: كان مجتهدًا مصيبًا، ففي الناس من يقول له: ومعاوية كان مجتهدًا مصيبًا أيضًا، بناءً على أن كل مجتهد مصيب. وهو قول الأشعري. ومنهم من يقول: بل معاوية مجتهد مخطئ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت