تحتجون على إمامة عليّ بنص ولا إجماع إلا كان مع أولئك من النص والإجماع ما هو أقوى من حجتكم، فيكون إثبات خلافة من قدحتم في خلافته أولى من إثبات خلافة من أثبتم خلافته.
وهذا لا يرد على أهل السنة؛ فإنهم يثبتون خلفة الخلفاء كلهم، ويستدلون على صحة خلافتهم بالنصوص الدالة عليها، ويقولون: إنها انعقدت بمبايعة أهل الشوكة لهم، وعليّ بايعه أهل الشوكة، وإن كانوا لم يجتمعوا عليه كما اجتمعوا عَلَى من قبله، لكن لا ريب أنه كان له سلطان وقوة بمبايعة أهل الشوكة له، وقد دل النصّ على أن خلافته خلافة نبوة.
وأما تخلف من تخلف عن مبايعته، فعذرهم في ذلك أظهر من عذر سعد بن عبادة وغيره لما تخلّفوا عن بيعة أبا بكر، وإن كان لم يستقر تخلف أحد إلا سعد وحده، وأما عليّ وغيره فبايعوا الصديق بلا خلاف بين الناس. لكن قيل: إنهم إن تأخروا عن مبايعته ستة أشهر، ثم بايعوه.
وهم يقولون للشيعة: عليّ إما أن يكون تخلّف أولًا عن بيعة أبي بكر، ثم بايعه بعد ستة أشهر، كما تقول ذلك طائفة من أهل السنة مع الشيعة. وإما يكون بايعه أول يوم، كما يقول ذلك طائفة أخرى. فإن كان الثاني بطل قول الشيعة: إنه تخلّف عن بيعته، وثبت أنه كان من أول السابقين إلى بيعته. وإن كان الأول، فعذر من تخلف عن بيعة عليّ أظهر من عذر من تخلف عن بيعة أبي بكر، لأن النص والإجماع المثبتين لخلافة أبي بكر، ليس في خلافة عليّ مثلها، فإنه ليس في الصحيحين ما يدل على خلافته، وإنما روى ذلك أهل السنن.
وقد طعن أهل الحديث في حديث سفينة [1] . وأما الإجماع فقد تخلف عن بيعته والقتال معه نصف الأمة، أو أقل أو أكثر.
والنصوص الثابتة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم تقتضي أن ترك القتال كان خيرًا للطائفتين، وأن القعود عن القتال كان خيرًا من القيام فيه، وأن عليًّا، مع كونه أوْلى بالحق من معاوية وأقرب إلى الحق من معاوية، لو ترك القتال لكان أفضل وأصلح وخيرًا.
(1) الحديث في سنن أبي داود 4/ 293 (كتاب السنة، باب في الخلفاء) ، سنن الترمذي 3/ 341 (كتاب الفتن، باب ما جاء في الخلافة) وقال الترمذي: هذا حديث حسن قد رواه غير واحد عن سعيد بن جهمان ولا نعرفه إلا من حديثه)، المستدرك للحاكم 3/ 71.
وتكلم الأستاذ محب ا لدين الخطيب (المنتقى من منهاج الاعتدال، ص57 ت2) على سند الحديث وبين ضعفه وأشار إلى عدم تصحيح ابن العربي له في"العواصم من القواصم"، ص201، القاهرة 1371، ولكن الألباني صحح الحديث في"صحيح الجامع الصغير"3/ 118.