الخطأ في الاجتهاد، بل يقولون: إن الذنوب لها أسباب تُدفع عقوبتها من التوبة والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المكفِّرة، وغير ذلك. وهذا أمر يعم الصحابة وغيرهم. والحكاية المعروفة عن المسور بن مخرمة، وكان من خيار صغار الصحابة، لما أتى معاوية، وخلا به، وطلب منه أن يخبره بجميع ما ينقمه عليه، فذكر له المسور جميع ما ينقمه عليه. فقال: ومع هذا يا مسور ألك سيئات؟ قال: نعم. قال: أترجو أن يغفرها الله؟ قال: نعم. فما جعلك أرجى لرحمة الله مني؟ وإني مع ذلك والله ما خُيِّرت بين الله وبين غيره إلا اخترت الله على غيره، ووالله لما أليه من الجهاد وإقامة الحدود والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أفضل من عملك، وأنا على دين يقبل من أهله الحسنات، ويتجاوز لهم عن السيئات، فما جعلك أرجى لرحمة الله من؟ قال المسور بن مخرمة: فخصمني. أو كما قال.
ويقال لهم: ثانيًا: أما أهل السنة فأصلهم مستقيم مطّرد في هذا الباب. وأما أنتم فمتناقضون. ذلك أن النواصب - من الخوارج وغيرهم - الذين يكفّرون عليًّا أو يفسّقونه أو يشكّون في عدالته من المعتزلة والمروانية وغيرهم، لو قالوا لكم: ما الدليل على إيمان عليّ وإمامته وعدله؟ لم يكن لكم حجة؛ فإنكم إن احتججتم بما تواتر من إسلامه وعبادته، قالوا لكم: وهذا متواتر عن الصحابة، والتابعين والخلفاء الثلاثة، وخلفاء بني أمية كمعاوية ويزيد وعبد الملك وغيرهم، وأنتم تقدحون في إيمانهم، فليس قدحنا في إيمان عليّ وغيره إلا وقد حكم في إيمان هؤلاء أعظم، والذين تقدحون أنتم فيهم أعظم من الذين نقدح نحن فيهم. وإن احتججتم بما في القرآن من الثناء والمدح. قالوا: إن آيات القرآن عامة تتناول أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم مثل ما تتناول عليًّا أو أعظم من ذلك. وأنتم قد أخرجتم هؤلاء من المدح والثناء فإخراجنا عليًّا أيسر. وإن قلتم بما جاء عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في فضائله: قالوا هذه الفضائل روتها الصحابة الذين رووا فضائل أولئك، فإن كانوا عدولًا فاقبلوا الجميع، وإن كانوا فسّاقًا فإن جاءكم فاسق بنبأ فتبيّنوا، وليس لأحد أن يقول في الشهود: إنهم إن شهدوا لي كانوا عدولًا، وإن شهدوا عليّ كانوا فسّاقًا، أو: إن شهدوا بمدح من أحببته كانوا عدولًا، وإن شهدوا بمدح من أبغضته كانوا فسّاقًا.
وأما إمامة عليّ فهؤلاء ينازعونكم في إمامته هم وغيرهم. فإن احتججتم عليهم بالنص الذي تدّعونه، كان احتجاجهم بالنصوص التي يدّعونها لأبي بكر - بل العباس - معارضًا لذلك، ولا ريب عند كل على تصديقها بدلالات كثيرة يعلمها من ليس من علماء أهل الحديث. وإن احتججتم بمبايعة الناس له. قالوا: من المعلوم أن الناس اجتمعوا على بيعة أبي بكر وعمر وعثمان أعظم مما اجتمعوا على بيعة عليّ، وأنتم قد قدحتم في تلك البيعة، فالقدح في هذه أيسر، فلا