الصفحة 10 من 69

ولم يكن معاوية قبل تحكيم الحكمين يدَّعي الأمر لنفسه، ولا يتسمَّى باسم أمير المؤمنين، بل إنما ادّعى ذلك بعد حكم الحكمين، وكان غير واحد من عسكر معاوية يقول له: لم ذا تقاتل عليًا وليس لك سابقته ولا فضله ولا صهره، وهو أولى بالأمر منك؟ فيعترف لهم معاوية بذلك. لكن قاتلوا مع معاوية لظنهم أن عسكر عليّ فيه ظلمة يعتدون عليهم كما اعتدوا على عثمان، وأنهم يقاتلونهم دفعًا لصيالهم عليهم، وقتال الصائل جائز، ولهذا لم يبدؤوهم بالقتال حتى بدأهم أولئك ولهذا قال الأشتر النخعي: إنهم يُنصرون علينا لأنَّا بدأناهم بالقتال.

وعليّ رضي الله عنه كان عاجزًا عن قهر الظلمة من العسكرَيْن، ولم تكن أعوانه يوافقونه على ما يأمر به، وأعوان معاوية يوافقونه، وكان يرى أن القتال يحصل به المطلوب، فما حصل به إلا ضد المطلوب، وكان في عسكر معاوية من يتهم عليًّا بأشياء من الظلم هو بريء منها، وطالب الحق من عسكر معاوية يقول: لا يمكننا أن نبايع إلا من يعدل علينا ولا يظلمنا، ونحن إذا بايعنا ظلمنا عسكره، كما ظُلم عثمان. وعليّ إما عاجز عن العدل فينا، أو غير فاعل لذلك، وليس علينا أن نبايع عاجزًا عن العدل ولا تاركًا له. فأئمة السنة يعلمون أنه ما كان القتال مأمور به: لا واجبًا ولا مستحبًا، ولكن يعذرون من اجتهد فأخطأ.

حُسن إسلام المؤلفة قلوبهم

وأما قوله:"كان معاوية من المؤلَّفة قلوبهم".

فنعم وأكثر الطلقاء كلهم من المؤلفة قلوبهم، كالحارث بن هشام، وابن أخيه عكرمة بن أي جهل، وسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية، وحكيم بن خزام، وهؤلاء من خيار المسلمين. والمؤلفة قلوبهم غالبهم حَسُن إسلامه، وكان الرجل منهم يُسلم أول النهار رغبة منه في الدنيا، فلا يجيء آخر النهار إلا والإسلام أحب إليه مما طلعت عليه الشمس.

وأما قوله:"وقاتل عليًّا وهو عندهم رابع الخلفاء إمام حق، وكل من قاتل إمام حقٍ فهو باغ ظالم".

فيقال له: أولًا الباغي قد يكون متأوّلًا معتقدًا أنه على حق، وقد يكون متعمدًا يعلم أنه باغٍ، وقد يكون بَغْيُهُ مركبًّا من شبهة وشهوة، وهو الغالب. وعلى كل تقدير فهذا لا يقدح فيما عليه أهل السنة؛ فإنهم لا ينزهون معاوية ولا من هو أفضل منه من الذنوب، فضلًا عن تنزيههم عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت