ثم الأمة متفقة على خلاف هذا؛ فإنها لم تقتل كل من تولّى أمرها ولا استحلّت ذلك. ثم هذا يوجب من الفساد والهرج ما هو أعظم من ولاية كل ظالم، فكيف يأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بشيء يكون فعله أعظم فسادًا من تركه؟!
وأما قوله:"إنه الطليق ابن الطليق".
فهذا ليس نعت ذم؛ فإن الطلقاء هم مسلمة الفتح، الذين أسلموا عام فتح مكة، وأطلقهم النبي صلّى الله عليه وسلّم، وكانوا نحوًا من ألفي رجل، وفيهم من صار من خيار المسلمين، كالحارث بن هشام، وسهل بن عمرو [1] ، وصفوان بن أمية وعكرمة بن أبي جهل، ويزيد بن أبي سفيان، وحكيم بن حزام، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم النبي صلّى الله عليه وسلّم الذي كان يهجوه ثم حسن إسلامه، وعتّاب بن أسيد الذي ولاّه النبي صلّى الله عليه وسلّم مكة لما فتحها [2] وغير هؤلاء ممن حَسُن إسلامه.
ومعاوية ممن حَسُن إسلامه باتفاق أهل العلم. ولها ولاّه عمر بن الخطاب رضي الله عنه موضع أخيه يزيد بن أبي سفيان لما مات أخوه يزيد بالشام، وكان يزيد بن أبي سفيان من خيار الناس، وكان أحد الأمراء الذين بعثهم أبو بكر وعمر لفتح الشام: يزيد بن أبي سفيان، وشرحبيل بن حسنة، وعمرو بن العاص، مع أبي عبيدة بن الجراح، وخالد بن الوليد، فلما توفي يزيد بن أبي سفيان ولّى عمر مكانه أخاه معاوية، وعمر لم تكن تأخذه في الله لومة لائم، وليس هو ممن يحابي في الولاية، ولا كان ممن يحب أبا سفيان أباه، بل كان من أعظم الناس عداوة لأبيه أبي سفيان قبل الإسلام، حتى أنه لما جاء به العباس يوم فتح مكة كان عمر حريصًا على قتله، حتى جرى بينه وبين العباس نوع من المخاشنة بسبب بغض عمر لأبي سفيان. فتولية عمر لابنه معاوية ليس لها سبب دنيوي، ولولا استحقاقه للإمارة لما أمّره.
ثم إنه بقي في الشام عشرين سنة أميرًا، وعشرين سنة خليفة، ورعيته من أشد الناس محبة له وموافقة له، وهو من أعظم الناس إحسانًا إليهم وتأليفًا لقلوبهم، حتى إنهم قاتلوا معه عليّ بن أبي طالب وصابروا عسكره، حتى قاوموهم وغلبوهم، وعليٌّ أفضل منه وأعلى درجة، وهو أولى بالحق منه وأحق بالأمر، ولا ينكر ذلك منهم إلا معاند أو من أعمى الهوى قلبه.
(1) في"الإصابة"2/ 88: سهل بن عمرو بن عبد شمس العامري، أخو سهيل، ذكر ابن سعد أنه أسلم يوم الفتح. وقال أبو عمر: مات في خلافة أبي بكر أو عمر.
(2) في"الإصابة"2/ 444:"عتّاب (بالتشديد) بن أسيد (بفتح أوله) بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس الأموي أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد .... أسلم يوم الفتح واستعمله النبي صلّى الله عليه وآله وسلم على مكة".