الصفحة 19 من 237

وهذه الواقعة دليلٌ قاطع لا يقبل إثبات العكس على تمتُّع المرأة بحرية الرأي في ظل الإسلام على أوسع نطاق ممكِن وعلى نحو غير مسبوق.

والقصة كما قال ابن كثير والقرطبى والنسفى وغيرهم - أن أَوْسَ بن الصامت - رضي الله عنه - غضب على امرأته خَوْلَة بنت ثعلبة فقال لها: أنت علىَّ كظهر أمي, وكانوا في الجاهلية يقولونها لنسائهم فتحرم المرأة على زوجها بهذا القول. ولم يكن الوحى قد نزل بشأن حكم الظهار, فاجتهد النبي - عليه السلام - برأيه البشرى وقال لخولة: «قد حُرمت عليه» , فجادلته قائلة: والله ما ذكر طلاقًا, وأشكو إلى الله فاقتي - فقرى - ووحدتي, وأن لي صبية صغارًا إن ضمَّهم إليه ضاعوا, وإن ضممتهم إلى جاعوا، والرسول لا يزيد على تأكيد أنها حرمت على زوجها بهذا الظهار. وجعلت الصحابية ترفع رأسها إلى السماء وتكرِّر شكواها إلى الله السميع البصير الرحيم. فأنزل الله - سبحانه - حلاًّ لمشكلتها ومشكلة كل امرأة يتلفَّظ زوجها بكلمة الظهار, وألزم الزوج في هذه الحالة بالكَفَّارة وهى تحرير عبد أو جارية، فإن لم يَجِد يصوم شهرين متتاليين، فإن لم يقدر على الصيام يطعم ستين مسكينًا وترجع إليه زوجته فالظهار ليس طلاقًا.

خطيئة مشتركة

ويُحمد للقرآن أنه الكتاب الوحيد الذى أنصف أُمِّنا (حواء) فلم يلصق الخطيئة بها وحدها كما فعلت التوراة والأناجيل بعد تحريفها. فالنصوص القرآنية صريحة في أن آدم شارك حواء في المعصية والأكل من الشجرة المُحَّرمة بعد أن وَسْوَس إليهما الشيطان وأغراهما بذلك.

قال الله - تعالى: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ} [البقرة: 35 - 36] , وقال الله - تعالى - في سورة الأعراف: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: 20] .

بل إننا نلاحظ أن القرآن الكريم قد خصَّ آدم بالذكر رغم اشتراك حواء معه في المعصية، وذلك في سورة طه حيث يقول ربنا - تبارك وتعالى: {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 121 - 122] .

ولا عجب في ذكر خطأ آدم وحده هنا، فهو النبى الذى يوحى إليه وليس حواء. كما أنها خُلقت من جسده فهى فرعٌ منه، والأصل مقدَّم في الذكر على الفرع، وهو الذى عَلَّمه ربُّه الأسماء كلها وليست هي. وخطأ العالم أخطر من خطأ المتعلم، كما أن خطأ الرئيس أو القائد أو المتبوع أشدُّ نُكرًّا وأخطر أثرًا من خطأ المرؤوس أو الجندى أو الأتباع. ورب الأسرة أَوْلَى باللوم - حين يخطئ - من زوجته؛ لأنه هو القَوَّام والمسئول عن دفة سفينة الأسرة وليست هى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت