الجرح أو إتلاف عضو من البدن بكون المجنى عليه ذكرًا أو أنثى. وأمَّا وأد البنات فقد قال الله - سبحانه - فيه: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58 - 59] تأمَّل وصف المولى لأهل الجاهلية حين يبلغ أحدهم خبر ولادة أنثى له، وكيف يكتسى وجهه بالكآبة والسواد - المعنوى طبعًا - وهو يحاول كتمان ما به من غيظ وحسرة ويتفادى لقاء الناس؛ لأن زوجته ولدت أنثى ولم تلد له ذكرًا يحارب معه حين يكبر ويحوز الغنائم والرئاسة في قومه ... ثم يُصوِّر القرآن مستخدما أبلغ وأقل عدد من الكلمات الحالة النفسية المنهارة للأب الكافر، وكيف تعصف به الهواجس والحيرة فلا يدرى: أيحتفظ بالمولودة على هوانها وضعفها واحتمالات تسببها في عار يلحق به إن وقعت في أسر إحدى القبائل المغيرة، مع ما تُكَلِّفه من نفقات إطعامها وكسوتها بلا مقابل تقدمه دفاعًا عن القبيلة وإحرازًا للمكاسب؟!!
أم يدفنها حيَّة في التراب ليتخلص من عبئها الثقيل ونفعها القليل وعارها الذليل؟!! وانظر إلى حكم ربنا - عز وجل - في نهاية الآية: {أَلاَ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} لتعلم علم اليقين أن هذا كلام رب العالمين حقًّا؛ لأنه لا ينحاز إلى الرجل ضد المرأة، فالكلُّ عباد وإماء له. ولو كان هذا الكلام من عند النبى - كما زعم الكفار - لكان أفضل له ألاَّ يتطرَّق إلى ذكر هذا الموضوع أبدًا، لأنه يصطدم بعادات وتقاليد الجاهليين، وهى أقوى عندهم من رابطة الدم , إلى درجة أن الأب لا تجد عاطفة الأبوة لها موضعًا في نفسه وهو يدفن فَلَذَةَ كَبِدِه حيّة في التراب إلى أن تخمد أنفاسها البريئة , وهو في ذلك الدرك الأسفل من الإجرام وانعدام الرحمة، ولا نقول الوحشية، فإننا لم نجد على مرِّ التاريخ أسدًا أو نمرًا أو ذئبًا يدفن كبده في التراب، بل يقاتل لحماية أشباله حتى آخر قطرة دم , وتوعَّد القرآن من يفعل ذلك بأشد الحساب و العقاب يوم القيامة: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8 - 9] .
البرّ بالأمهات والبنات والأخوات
وقد جاء تحريم وأد البنات صريحًا قاطعًا كذلك في الحديث الشريف الذى رواه الإمام البخاري عن لمغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله حرّم عليكم عقوق الأمهات، ومنعًا وهات، ووأد البنات, وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» .
وفى هذا الحديث العظيم نصٌّ على تحريم قتل المولودة الأنثى كما كانت كثير من الشعوب تفعل قبل الإسلام. ونلاحظ أيضًا حكمًا آخر في ذات الحديث هو تحريم عقوق الأمهات؛ أي: الإساءة إليهن بقول أو فعل. وهكذا نجد حديثا واحدا يحظر قتلها ويُحرِّم كذلك الإساءة إليها مطلقًا. وبذلك نخلص إلى حتمية الاعتراف لهن أوَّلًا بالحق في الحياة ثم حتمية الإحسان إليهن طوال تلك الحياة.