الصفحة 13 من 237

الفصل الثاني

إنصاف حواء

رد الإسلام إلى المرأة كيانها كإنسان , فليست حيوانًا ولا أداة ولا متاعًا يملكه الرجل كما كانت كل الأمم قبل الإسلام تعتقد وتعاملها على هذا النحو. والآيات في ذلك عديدة منها قوله تعالى: {فَاستجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 195] . ومن يتأمَّل قوله - تعالى: {بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ} يدرك فورًا أن أصل الخلق واحد بالنسبة للجميع ذكورًا وإناثًَا , والله - سبحانه وتعالى - هو"رب العالمين"كلهم، والعالمين تشمل الإناث كما تشمل الذكور. وتقول الآية الأولى من سورة النساء عن الله تعالى: {الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} [النساء: 1] . فقد خلق الله كل البشر من آدم - عليه السلام - وحواء زوجته التي خلقها الله - تعالى - من أحد أضلاعه، فهي جزء منه, وليست مخلوقًا أدنى, ولا هي بحيوان أو جماد كما زعم الآخرون. كما أن كل البشر - باستثناء آدم - قد وُلِدُوا من رَحِم امرأة، والكلُّ مخلوقٌ من طين الأرض، فلا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى وصالح الأعمال.

وفى هذا المعنى ورد الحديث الشريف «النساء شقائق الرجال» أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي والبزّار, وذكره القرطبى في تفسيره (1) . والمساواة بين الرجال والنساء في الثواب والأجر على الأعمال الصالحة مقرَّر بنص القرآن الكريم: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} النحل: 97 (2) . وكما يتساوى الذكور والإناث في الثواب فإنهم يتساوون في العقاب على السيئات. بل نجد أن المرأة تُعفى من العقاب إذا أكرهها الرجل على الزنا أو غيره من الجرائم، مراعاة لضعفها وتسلُّطه عليها بقوته البدنية. وهناك نهى صريح في سورة النور الآية رقم 33 عن ذلك؛ قال - تعالى - {وَلاَ تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النور: 33] . فإذا حدث هذا الإكراه فإن ذات الآية تقرِّر أن الله سيغفر لهن: {وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 33] كما يُؤجل تنفيذ العقوبة على الحامل حتى تضع وترضع طفلها عامين.

الحق في الحياة

وحرص الإسلام على حماية حق المرأة في الحياة، فهي نفس، وقد حرَّم الله, قتل النفس بغير جريمة ارتكبتها أو إفساد في الأرض، كما نهى الإسلام بشدَّة عن وأد البنات المسكينات لمجرَّد أنهن إناث. قال - تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179] , وقال - تعالى: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} [المائدة: 45] , ولا عبرة في القصاص أو الدية - التعويض - عن القتل أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت