فيقال: هذا النقل فيه من الجهل والتحريف ما لا يخفى على من يعلم السيرة، فإن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أرسله إليهم بعد فتح مكة ليسلموا، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فقالوا: صبأنا صبأنا، فلم يقبل ذلك منهم، وقال: إن هذا ليس بإسلام، فقتلهم، فأنكر ذلك عليه من معه من أعيان الصحابة، كسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، وغيرهما. ولما بلغ ذلك النبي صلَّى الله عليه وسلَّم رفع يديه إلى السماء وقال:"اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد" [1] . لأنه خاف أن يطالبه الله بما جرى عليهم من العدوان. وقد قال تعالى: { فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ } [الشعراء: 216] ، ثم أرسل عليًّا، وأرسل معه مالًا، فأعطاهم نصف الديات، وضمن لهم ما تلف حتى مِيلَغة الكلب، ودفع إليهم ما بقي احتياطًا لئلا يكون بقي شيء لم يعلم به [2] .
(1) الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما - مع اختلاف في الألفاظ في البخاري 4/100-101 (كتاب الجزية، باب إذا قالوا: صبأنا، ولم يحسنوا: أسلمنا) ، 5/160-161 (كتاب المغازي، باب بعث النبي صلَّى الله عليه وسلَّم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة) ، 8/74 (كتاب الدعوات، باب رفع الأيدي في الدعاء) ، 9/73 (كتاب الأحكام، باب إذا قضى الحاكم بجوز أو بخلاف أهل العلم فهو رد) سنن النسائي 8/208-209 (كتاب آداب القضاة، باب الرد على الحاكم إذا قضى بغير الحق) المسند (ط. المعارف) 9/187-188 .
(2) انظر في ذلك: سيرة ابن هشام 4/70-74، السيرة النبوية لابن كثير 3/591-593 .
ومِيلغة الكلب: ما يحفر من الخشب ليلغ فيه الكلب.