بالصواب قول من قال: نزلت هذه الآية في خاص من الناس، وقال: عني بقوله تعالى ذكره: (( لا إكراه في الدين ) )أهل الكتاب والمجوس وكل من جاء إقراره على دينه المخالف دين الحق، وأخذ الجزية منه )) .
ثم يقول مبيّنًا سبب ترجيح هذا القول: (( وكان المسلمون جميعًا قد نقلوا عن نبيّهم(أنه أكره على الإسلام قومًا فأبى أن يقبل منهم إلا الإسلام، وحكم بقتلهم أن امتنعوا منه، وذلك كعبدة الأوثان من مشركي العرب، وكالمرتد عن دينه دين الحق إلى الكفر ومن أشبههم، وأنه ترك إكراه آخرين على الإسلام بقبوله الجزية منه، وإقراره على دينه الباطل، وذلك كأهل الكتابين ومن أشبههم ) ).
قد آن لنا أن نسأل أصحاب هذه الشبهة: أيهود أنتم أم نصارى، فيُكتُفى بقبول الجزية منكم، فلا يأمركم أحد بمعروف تتركونه ولا ينهاكم عن منكر تفعلونه؟.
رابعًا: ثبوت وجوب الحسبة بنصوص الكتاب والسنة:
إن هؤلاء أخذوا آية واحدة وحاولوا تأويلها وفق أهوائهم وتجاهلوا تلك النصوص الكثيرة الصريحة الواضحة التي لا تترك مجالًا للشك والتردد في فرضيّة الحسبة. أين هؤلاء من تلك النصوص التي وردت فيها صيغة أمر للقيام بالاحتساب، وصيغة نهي للمنع عن تركه؟ وذلك مثل قوله تعالى: (( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ) )، ومثل قوله: (( مروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم ) ). ومثل قوله: (( لا يمنعن رجلًا منكم مخافة الناس أن يتكلّم بالحق إذا رآه وعلمه ) ).
وكيف يؤول هؤلاء النصوص التي قُرِن الإيمان فيها بالاحتساب، فحُكِم فيها بقوة الإيمان وضعفه مع قوة الاحتساب وضعفه؟ وذلك مثل قوله: (( من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، وإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ) ).
وبماذا يفسر هؤلاء تلك النصوص التي تجعل (( التواصي بالحق ) )من شروط نيل الفوز والفلاح؟ وذلك مثل قوله تعالى: (( والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ).
وكيف يتجرأ هؤلاء على تحريف النصوص التي وعد الله تعالى ورسوله (فيهما بالعذاب على ترك الاحتساب؟ وذلك مثل قوله تعالى:(( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب ) ).