قال: (( فناداني ملك الجبال وسلّم عليّ، ثم قال: يا محمد إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني، فما شئت؟ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ) ).
فقال له رسول الله (:(( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لايشرك به شيئًا ) ).
هل يُتوقع بعد ذلك ممن ينتسب إلى هذا النبي الكريم (الحريص على هداية الناس أن يقول:(( ينبغي أن لا نضيع جهودنا و أوقاتنا في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر حيث إنهم لا يستجيبون؟ ) ).
احتجاج أصحاب الشبهة ببعض الآيات:
يحتجّ أصحاب هذه الشبهة ببعض النصوص التي جاء فيها - على حسب زعمهم - الأمر بالتذكير مشروطًا بالنفع، أو مخصوصًا لمن خاف الوعيد، أو خشي الرحمن بالغيب، واتبع الذكر. ومن النصوص:
قوله تعالى: (( فذكر إن نفعت الذكرى ) )
وقوله تعالى: (( إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ) )
وقوله تعالى: (( إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب ) )
وقوله تعالى: (( فذكر بالقرآن من يخاف وعيد ) ).
قالوا: نجد في هذه الآيات بأن الله تعالى اشترط لأمره بالتذكير (( نفع الذكرى ) )كما أرشد نبيه الكريم أن يقتصر في إنذاره عل (( من يخاف وعيد ) ) (( وخشي الرحمن بالغيب ) ) (( واتبع الذكرى ) )
لذا لا داعي لبذل الجهود في أمر الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر وهم لا يستجيبون.
كشف النقاب عن حقيقة الاحتجاج:
سنبيّن بتوفيق الله تعالى حقيقة احتجاجهم بالآيات من وجهين:
1.النظر في سيرة من أنزل عليه تلك الآيات.
2.المراد بالآيات على ضوء تفسير المفسرين.
أولًا: النظر في سيرة من أنزل عليه تلك الآيات:
أنزلت تلك الآيات على محمد، وهو الذي كان يتلوها على المؤمنين، ويعلّمهم إياها، وإليه أسندت مهمة بيانها، وكان صلى الله عليه وسلم صورة حية لما نزلت عليه من الآيات لنا أن نسأل هؤلاء هل ترك الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بسبب إعراض الناس؟ كلا، فقد استمر في التذكير والإنذار رغم عناد