فأين أصحاب هذه الشبهة من هذا الحديث الشريف ومن الأحاديث الأخرى مثلها؟.
رابعًا: منافاة هذا القول لسير الأنبياء والصالحين:
أين أصحاب هذه الشبهة من سير الأنبياء والمرسلين والصالحين الذين عُذِّبوا، وأُخرِجوا من ديارهم، و قُوتلوا، وقُتِلوا بسبب قيامهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ أين هم من رجال هذه الأمة الذين تحققت فيهم - بفضل الله تعالى - بشرى رسول صلى الله عليه وسلم: (( سيد الشهداء حمزة بن عبدالمطلب -رضي الله عنه - ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله! ) ).
تنبيه:
لا يُفهم مما كتبنا أنه لا يُنظر إلى ما يترتب على القيام بالاحتساب ولا يُعبَأ به، بل إن هذا سيُحسب له حسابه. فإن كانت المفسدة المترتبة عليه أعظم من المصلحة المتوقعة لا يقوم المرء بالاحتساب آنذاك، وإن كانت المصلحة المرجوة أعظم من المفسدة يجب عليه أن يقوم بالاحتساب إذًا. وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: وإذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم الواجبات أو المستحبات لابد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة، فحيث كانت مفسدة الأمر والنهي أعظم من مصلحته لم يكن مما أمر الله به، وإن كانت قد تُرِك واجب وفُعِل محرم.
لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد ليس بهوى الناس بل - كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية - هو بميزان الشريعة.
ولا يعني كلامنا أيضًا أن نفرط بأنفسنا في الاحتساب، وأن نلقي بأيدينا إلى التهلكة. إن الذي نقصده أن لا يكون الخوف على النفس أو الرزق مانعًا من الاحتساب، ولكن أخذ الحيطة والحذر أمر مطلوب مثل ما هو الحال في الجهاد بالسيف. وفي هذا يقول الشيخ محمد رشيد رضا: (( ولا نترك الدعوة إلى الخير ولا الجهاد دونه خوفًا على أنفسنا حرصًا على الحياة الدنيا، ولا نفرِّط بأنفسنا في أثناء دعوتنا وجهادنا فيما لا تتوقف الدعوة و لا حمايتها عليه. وقد يكون أكثر مايصيب الداعي إلى الخير من الأذى ناشئًا عن طريقة الدعوة وكيفية سوقها إلى المدعو، لا سيما إذا كان مسلمًا، وكانت الدعوة مؤيدة بالكتاب والسنة ) ).
والله أعلم بالصواب.