يقول القاضي عياض في شرح الحديث: (( أصله من التوديع، وهو الترك، وحاصله أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمارة الخذلان وغضب الرب ) ).
ولا يمكن الوقاية من هذه الفتنة إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يقول الشيخ جلال الدين المحلي في تفسير الآية: (( و اتقوا فتنة ... ) )الآية. (( واتقاؤها بإنكار موجبها من المنكر ) ).
ثانيًا: مشابهة هذا القول بتعليل المنافق الجد بن قيس للتخلف عن الغزوة.
مما يؤكد شناعة هذا التعليل لترك الاحتساب أنه عين التعليل الذي علل به الجد بن قيس عند تخلفه عن غزوة تبوك، فكشف العليم الخبير حقيقة تعليله وذمه في آيات تتلى إلى الأبد. فقد ذكر الإمام الطبري أن رسول الله (ذكر ذات يوم وهو في جهازه، للجد بن قيس أخي بني سلمه: (( هل لك ياجد العام في جلاد بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني، فوالله، لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبًا بالنساء مني. وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر عنهن.
فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (( قد أذنت ذلك ) ).
ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية: (( ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا وإن جهنم لمحيطة بالكافرين ) ).
ثم يقول الإمام الطبري في تفسير الآية: (( أي: إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر وليس ذلك به، فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. والرغبة بنفسه عن نفسه، أعظم ) ).
وهكذا من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة طلب السلامة من فتنة لم تقع بعد، قد وقع في فتنة كبرى، إلا وهي ترك ما أوجبه الله تعالى عليه من الاحتساب.
ثالثًا: تعارض هذا القول مع وصية النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:
يتنافي هذا القول مع ما أوصى به النبي الكريم (أصحابه من قول الحق، وإن لا يخافوا في الله لومة لائم، وأن لا يمنعهم خوف على النفس أوالرزق من القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومن تلك الأحاديث - على سبيل المثال - ما روى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(( لا يمنعنّ رجلًا منكم مخافة الناس أن يتكلم بالحق إذا رآه وعلمه ) ).
وفي رواية أخرى: (( فإنه لا يقرِّب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم ) ).