الصفحة 15 من 25

لو اشترطنا للآمر والناهي أن يكون فاعلًا لكل ما أُمر به ومجتنبًا كل ما نُهي عنه لن تجد من يقوم بالاحتساب، وبهذا يتعطّل هذا الواجب العظيم. وقد نّبه علماء الأمة - جزاهم الله تعالى خيرًا - إلى هذا الأمر، فقد قال سعيد بن جبير: (( لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر ) ).

وقال الإمام مالك تعليقًا على قوله: (( وصدق، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟ ) ).

وذكر القرطبي أن الحسن قال لمطرف بن عبدالله: (( عظ أصحابك ) ). فقال: (( إني أخاف أن أقول ما لا أفعل ) )، قال: (( يرحمك الله، وأيُّنا يفعل ما يقول؟ يّود الشيطان أنه قد ظفر بهذا، فلم يأمر بمعروف ولم ينه عن منكر ) ).

وبيّن هذا الإمام الطبري حيث يقول: (( وأما من قال: لا يأمر بالمعروف إلا من ليست فيه و صمة، فإن أراد أنه الأولى فجيد، وإلاّ فيستلزم سدّ باب الأمر بالمعروف إذا لم يكن هناك غيره ) ).

رابعًا: عدم جدوى احتساب غير الكامل ليس بأمر دائم:

لا شك أن دعوة الكامل أشدّ وقعًا في النفوس وأكثر استجابة من دعوة غير الملتزم لكن القول بأن دعوة غير الكامل أو احتسابه عديم الجدوى دائمًا غير صحيح.

كم من أنبياء الله الكاملين الملتزمين لم تؤثر دعوتهم في أقرب أقاربهم. لم يستجب لنداء رسول الله نوح عليه السلام ابنه، كما لم يستفد من دعوة خليل الله إبراهيم عليه السلام أبوه، ولم تقبل قول نبي الله لوط عليه السلام زوجته، كما لم يحوِّل نصح أكمل خلق الله تعالى محمد (ووعظه عمِّه أبا طالب إلى الإسلام.

وكم من أنبياء الله الكاملين دعوا أقوامهم فما آمن معهم إلا قليل، بل منهم من لم يؤمن به أحد.

وعلى العكس هذا كم من أصحاب الدعوات الفاسدة - المخالفين لأقوالهم بأفعالهم - نرى لهم أتباعًا كثيرين وكم من دعاة حرمة الإنسان وحريته يجدون أنصارًا كثيرين مع أنهم من أشد الناس انتهاكًا لحرمته وحريته وكم من حماة لحقوق العمال والشعوب - على حسب زعمهم - ولهم أتباع كثيرون رغم كونهم من أكثر الناس هضمًا لحقوقهم.

فخلاصة القول ليس لأحد أن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أن احتسابه لا يفيد بسبب تقصيره فلربما يفيد المقصرّ حيث لايفيد فيه من هو أحسن منه حالًا.

تنبيه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت