إنما نقول إن شخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - حاضر بسيرته وحاضر بسنته إلي الدرجة التي يقوم بها الإسلام في الأرض كاملًا غير منقوص. ولكنا نحاول فقط أن نفسر واقعنا حدث بالفعل, هو الوفرة الملحوظة في النماذج الفائقة من بين المحيطين بالرسول - صلى الله عليه وسلم -, وفرة لم تتكرر في التاريخ من بعد, وإن كانت لم تنقطع في صورة أفراد متناثرين من كل جيل يزخر بهم تاريخ الإسلام في الماضي وما زال يزخر إلي هذه اللحظة.
عنصر ثالث لا يمكن إغفال أثره في نشأة ذلك الجيل المتفرد, هو أثر النشأة الجديدة.
إن كل نشأة جديدة تكون أنشط وأكثر حيوية واكثر فاعلية من الأجيال السابقة.
وهذا مر له ما يفسره من طبيعة النفس البشرية, بل من طبيعة الكون المادي نفسه! فغاز الأوكسجين المحضر حديثًا في المعمل تكون له فاعلية (في المساعدة علي الإشعال) أكبر من الأوكسجين الموجود في الجو, مع أنه يماثله مماثلة تامة في التركيب!! كذلك النفوس التي تبدأ عهدًا جديدًا أو تشهد إنشاء جديدًا تكون أكثر حيوية وأكثر فاعلية من غيرها من النفوس. ويمكن تفسير ذلك من ناحيتين:
الأولي: إن النشأة الجديدة - وخاصة علي النحو الذي صنعه الإسلام - تعيد تركيب النفوس علي صورة جديدة فتصبح نفوسًا جديدة بالفعل, مذخورة الطاقة حادة الفاعلية كذلك الأوكسجين المحضّر لتوه في المعمل.
والثانية: أن التحديات التي يتلقاها جيل النشأة الجديدة هي أعنف التحديات وأشقها وأقساها.
ومن شأن التحديات دائمًا أن تشحذ النفوس الحية وتستخلص منها أقصى طاقتها. فإذا اجتمع الأمران معا: جدة النفوس, وعنف التحديات فنستطيع أن نتصور الفاعلية الهائلة التي تكون لتلك النفوس, وهي تعمل في واقع الحياة.
يضاف إلي ذلك أن أصحاب النشأة الجديدة هم من ناحية أقدر الناس علي تقدير النعمة الجديدة حق قدرها, فقد عايشوا الجاهلية من قبل ثم انتقلوا إلي الإسلام, فأدركوا -بالممارسة الواقعة- عظم النقلة التي انتقلوها من الجاهلية إلي الإسلام, كما قال عمر - رضي الله عنه:"لا يعرف الإسلام من لم يعرف الجاهلية"! أي لا يقدره قدره إلا من أدرك الفارق بينه وبين الجاهلية... وهم من ناحية أخري أحرص الناس علي المحافظة علي البناء الجديد سليمًا من كل نقص يعتوره, فقد بنوه لبنة لبنة, وتعبوا في بنائه وعانوا المشققات, وظلوا يرقبون ارتفاعه يومًا بعد يوم حتى استوي علي أكمل صورة, فهم لا يطيقون أن يعبث به عابث, أو ينقص من رونقه منتقص, فقد اختلط بأعماق مشاعرهم فأصبح منهم وأصبحوا منه, واصحبوا يحسون وجودهم في وجوده.
وكذلك كان ذلك الجيل الفريد حريصًا علي الإسلام, حريصًا علي أن يظل البناء الذي شيدوه تحت قيادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإشرافه سليما من كل نقص.
ولسنا نقول مع ذلك إن هذا شرط لازم لإقامة دين الله في الأرض... فلوعلم الله أنه شرط لازم ما كلف الناس فيما بعد جيل النشأة أن يقيموا هذا الدين!
ولكنا نحاول فقط أن نفسر ذلك الواقع التاريخي الذي تفرد في التاريخ.
وهذا يجرنا إلي سؤال نري من الضروري تحديد الإجابة عليه, لأنه يحيك في صدور بعض الناس حين ينظرون إلي ذلك الجيل المتفرد ثم ينظرون غلي ما بعده من الأجيال فيقول قائل منهم: إن الإسلام لم يعش ألا فترة قصيرة هي فترة الرسول - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين ثم انتهي بعد ذلك! ويجئ خبثاء المستشرقين وحواريوهم فيؤكدون علي هذا المعني لحدثوا في نفوس الناس يأسًا من عودة الإسلام إلي حكم الحياة الواقعة كما حكمها من قبل.
إذا كان هذا الجيل المتفرد غير قابل للتكرار -أو هو علي الأقل لم يتكرر حتى اللحظة الحاضرة- فما قيمته؟ ما دوره بالنسبة للإسلام والمسلمين؟ أليكون مجرد ذكري لشئ لا يمكن أن يعود؟.
وإذا كانت هناك ظروف خاصة أحاطت بنشأة ذلك الجيل غير قابلة للتكرار, وكان لها أثر عميق في نشأته, كوجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشخصه الكريم بين ظهرانيهم, وتأثير النشأة الجدية في نفوس الجيل الذي عاصر تلك النشأة, فأنّي يرجى أن تقوم للإسلام صورة في الواقع علي نسق تلك الصورة الأخاذة التي قامت ذات يوم؟!.
وتحتاج الإجابة إلي تحديد واضح.
أي شئ في ذلك الجيل المتفرد هو غير قابل للتكرار, أو علي الأقل لم يتكرر حتى هذه اللحظة؟ أهو الخصائص الرئيسية التي تحقق الوجود الإسلامي في عالم الواقع, أم هي الدرجة العالية الفذة التي وصل إليها ذلك الجيل في تحقيق تلك الخصائص في عالم الواقع؟!!.
وتلك الظروف الخاصة التي أحاطت بنشأة ذلك الجيل ونقول إنها غير قابلة للتكرار.... ما دورها بالضبط؟ هل كان مجال تأثيرها هو إنشاء تلك الخصائص الرئيسية التي تحقق الوجود الإسلامي في عالم الواقع, أم هو في تلك الدرجة العالية الفذة التي وصل إليها ذلك الجيل في تحقيق تلك الخصائص في عالم الواقع.
أحسب أن القضية الآن أصبحت واضحة.