إن الخصائص الرئيسية التي تحقق الوجود الإسلامي في عالم الواقع مستمدة بكاملها من القرآن والسنة, أي: من العنصرين الدائمين في حياة المسلمين, المحفوظين بقدر الله ومشيئته.
فقد تكفل الله بحفظ كتابه المنزل, بينما ضاعت الكتب السابقة وحرّّفت:
{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) } [سورة الحجر 15/9] .
كما تكفل بحفظ سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -, بينما لم يبق من سنن الأنبياء السابقين إلا ما حفظه القرآن وحفظته سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وفي هذين المصدرين كل"المواد"اللازمة لبناء الفرد المسلم والجماعة المسلمة والأمة المسلمة والدولة المسلمة في أي عصر من عصور التاريخ يرغب المسلمون في البناء, ويعزمون علي بذل الجهد اللازم له.
أما الذي صنعته الظروف الخاصة فهو تلك الدرجة الفذة في تحقيق الخصائص الرئيسية للوجود الإسلامي, المستمدة كلها من الكتاب والسنة.... وتلك الدرجة -لا الخصائص الرئيسية- هي التي لم تتكرر في التاريخ.
وتبقي الإجابة علي الشق الآخر من السؤال: إذا كانت تلك الدرجة التي تحققت بالفعل ذات يوم غير قابلة للتحقيق مرة أخري, لأنها نشأت من ظروف خاصة غير قابلة للتكرار, فما قيمتها في حياة الإسلام والمسلمين. أهي وجدت فقط لتظل حلما مهوّمًا يعرّّج عليه من أجل حلاوة الذكري ليس غير؟!.
كلا! إنها وجدت -بقدر من الله- لتظل نموذجًا يشد المسلمين إليه ليحاولوا تحقيقه في عالم الواقع.... وحين يحاولون فإنهم يرتفعون بالفعل, حتي وإن لم يصلوا -في مجموعهم- إلي ذات الدرجة التي وصل إليها هؤلاء؛ وإن كان التاريخ المشهود يقول إن أفرادًا من كل جيل يصلون بالفعل إلي ذلك المستوي السامق الرفيع, أولئك الذين نتوهج قلوبهم بنور الإسلام فيستطيعون أن يقبسوا من شخصية الرسول وأحداث حيات مثل ما كان يقتبس الصحابة رضوان الله عليهم بالمعايشة المباشرة, وان يحسوا --في أعماق نفوسهم- بالنشأة الجديدة علي نحو ما أحس الذين عاشوها أول مرة... فينهلوا من الكتاب والسنة بمثل العمق الذي كان ينهل به الصحابة الكرام, ويحققوا في ذوات أنفسهم ما كانوا يحققون.
هؤلاء قلة في كل جيل -نعم- بينما كانوا كثرة ملحوظة في المحيطين برسول الله - صلى الله عليه وسلم -... ولكن مجموع المسلمين -حين يحاولون- يرتفعون درجات من الارتفاع, حتي ولو لم يصلوا لذلك المستوي الرفيع, لأن المحاولة ذاتها توجه الناس إلي أعلي, بينما القعود يهبط بهم إلي أسفل, بحكم الثقلة التي تجذب الناس أبدًا إلي أسفل ما لم يحاولوا الارتفاع:
{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [سورة العصر 103/1-3] .
من هنا يظل لذلك الجيل المتفرد دوره في حياة الإسلام والمسلمين.
فوجود هذا النموذج الفذ في عالم الواقع, حقيقةً واقعةً, لا حلمًا ولا خيالًا ولا شعارات, يظل يحفز الراغبين في تحقيق الإسلام لتحويل الرغبة إلي واقع, وبذل أقصي الجهد في هذا السبيل... وحين يحققون الخصائص الرئيسية للوجود الإسلامي في عالم الواقع, فلا عليهم بعد ذلك إن لم يصلوا إلي الدرجة الفذة التي وصل غليها الجيل الأول, فإن مجرد تحقيق الخصائص الرئيسية للوجود الإسلامي -ولو في حدا الأدنى- هو قفزة هائلة إلي أعلي بالنسبة لكل جاهليات التاريخ, بما فيها الجاهلية المعاصرة, بل في مقدمتها الجاهلية المعاصرة! وتبقي الدرجات العليا مجالًا للتفاضل, ومجالًا للتطوع النبيل, لا تكلف نفس إلا وسعها, يبلغ منها كل إنسان بقدر ما يطيق, فتصل قلة قليلة إلي المستوي, ويقترب الباقون خطوات.
نعم, إن وجود هذا الجيل المتفرد واقعًا في التاريخ, لم يكن -في قدر الله- لمجرد أن يكون ذكري حلوة تشع نسماتها علي القلوب ساعة ثم تتبدد... بل ليكون واقعًا يتجدد.
فقد طلب الله من المسلمين في كتابه الباقي إلي يوم يرث الله الأرض ومن عليها أن يتأسوا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وأن يقتفوا أثر ذلك الجيل الفريد ويصلوا أنفسهم به:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) } [سورة الأحزاب 33/21] .
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (9) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (10) } [سورة الحشر 59/9-10] .