الصفحة 22 من 678

ولئن كان القرآن قد توسع في ذكر اليوم الآخر بمشاهده الأخاذة فقد توسعت السنة مقابل ذلك فيما يعرف بالترغيب والترهيب, أي الترغيب في الأعمال التي تقرب الإنسان من الجنة, والترهيب من الأعمال التي تعرض الإنسان للنار.

وهكذا حين نتحدث عن أثر القرآن في إنشاء ذلك الجيل المتفرد نتحدث عن السنة في ذات الوقت. ولكنا نريد أن نضيف عنصرًا آخر شديد التأثير في رفع نفوس الناس في ذلك الجيل إلي أقصي طاقاتها, والاستواء بها علي تلك القمم السامقة التي وصلت إليها, ذلك هو وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشخصه الكريم بين ظهرانيهم. فلا شك أن كان لهذا الوجود أثره الكبير في الوفرة الملحوظة في النماذج السامقة من بين أولئك المحيطين بالرسول - صلى الله عليه وسلم -, مع ارتفاع القمم التي وصلوا إليها, ذلك الارتفاع الشاهق الذي عجزت عنه البشرية في شتي أجيالها.

لقد كان التأثير المباشر لشخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ذا أثر بالغ في بناء تلك النفوس التي أحاطت به, وأحبته, وتربت علي عينه - صلى الله عليه وسلم - في نفوس أتباعه ومحبيه أثر غير مكرر في التاريخ, ولا عجب في ذلك فإنها شخصية غير مكررة في التاريخ!.

إنها أكمل شخصية وأعظم شخصية في الوجود البشري كله من بدائه إلي منتهاه.

وليس هنا مجال التفصيل في شرح هذه العظمة الفائقة. فهي شخصية تحوي داخلها شخصيات, وعظمة تحوي داخلها عظمات, لو أصاب أي إنسان واحدة منها لَعُدّ من عظماء التاريخ, فكيف بها مجتمعة في شخص الرسول - صلى الله عليه وسلم - علي سموق متفرد في كل واحدة منها؟ شخصية المربي, شخصية القائد السياسي, شخصية القائد العسكري, شخصية العابد الروحاني, شخصية الزوج, شخصية الأب, شخصية الصاحب, شخصية الداعية... ثم كيف بها مجتمعة علي توزان بينها لا يجعل واحدة منها تطغي علي الأخرى, وعلي شمول وترابط لا يجعل واحدة منها تنفصل وتستقل عن الأخريات؟.

عظمة فذة في التاريخ, وتأثيرها كذلك في التاريخ.

وصف أبو سفيان -قبل إسلامه- جانبًا من جوانب هذه العظمة, وجانبًا من عمق تأثيرها فقال:"ما رأيت أحدًا يحبه الناس كحب أصحاب محمد محمدًا".

وهو وصف صادق دقيق. فهي شخصية أخاذة من أحبها تعمق في حبها إلي أقصي الغاية (وكذلك من انطمست بصيرته فأبغضها لم يستطع أن يقف في بغضها عند حد!) .

والذين أحبوه والتصقوا به وعايشوه عن قرب, قد تأثروا به ولا شك أعمق التأثير, فاستطاعوا أن ينهلوا من معين القرآن أكثر, وأن يكون استواؤهم علي القمة السامقة أيسر. ذلك أن القرآن معني لا نضب, ولكنه يعطي كل إنسان علي قدر سعة الإناء الذي يغترف به. يحين تتسع القلوب وشف الأرواح بمصاحبة ذلك الروح العظيم, تكون قدرتها علي تشرب روح القرآن أكبر, وقدرتها علي صحبة القرآن والعمل به أوسع وأعمق.

قال أحد الصحابة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنهم حين يكونون معه يكونون علي حال غير الذي يكونون به حين يعودون إلي شواغلهم ومعهود حياتهم, فقال - صلى الله عليه وسلم:"والذي نفسي بيده أن لو تدومون علي ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة علي فرشكم وفي طرقكم, ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" (1) .

وليس معني هذا أن تأثير صحبة الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان ينتهي حين يخرجون من عنده, فمثل هذا التأثير لا يمكن أن يزول. إنما يدل تصريح الصحابة رضوان الله عليهم علي عمق أثر الصحبة المباشرة في نفوسهم, حتى ليحسون أنهم يصبحون خلقًا آخر غير ما يعهدون من أنفسهم.... وفي حالق إن الإشعاع الذي يتلقونه من الروح العظيم المشع يجعل أرواحهم شفافة رفافة محلقة, كما يشعر السابح بخفة جسمه وهو محمول علي الماء... فإذا خرجوا إلي واقع الحياة اليومي خف ذلك الإشعاع الذي امتلأت به أرواحهم, فأحسوا بالفرق بين حالتهم في صحبته - صلى الله عليه وسلم - وحالتهم في معتاد حياتهم. ولكن واقع التاريخ يقول إن الشحنة لم تذهب أبدًا من أروحهم, وإن إحساسهم بالتغيّر بعد الخروج من عنده - صلى الله عليه وسلم - إن هو إلا شوق إلي مزيد من القدرة علي التحليق, ولكنه ليس فقدانًا لتلك القدرة علي الإطلاق, فقد ظلوا يحلّّقون ويحلّّقون ويحلّّقون, علي آفاق لا عهد للبشرية بها من قبل.

ولسنا نقول مع ذلك إن وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشخصه شرط لإقامة هذا الدين في الأرض! فلو علم الله أن هذا شرط لا يقوم الإسلام في الأرض إلا به ما كلف سبحانه وتعالي الناس أن يقيموا الدين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -, وهو لا يكلف نفسًا إلا وسعها.

(1) أخرجه مسلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت