الصفحة 21 من 678

الإيمان بالله -حين يعمر القلب البشري- يبعث فيه الخشية والتقوى التي تؤهله لطاعة الله فيما يأمره به وينهاه عنه. والإيمان بأن الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف, وأن هناك بعثًا ونشورًا, وحسابًا وجزاءً, ونعيمًا وعذابًا, هو الذي يغير موازين الحياة كلها, وقيمها ومستوياتها, فلا يعود المتاع الحسي هو غاية الحياة, ولا يعود الاستغراق فيه هو الشغل الشاغل ولا اللهم المقعد المقيم, كما يكون الحال في الجاهليات, حين يؤمن الإنسان أن الحياة فرصة واحدة محدودة بجدود العمر القصير, وكل يوم ينقضي لا يعود.... فتكون الحكمة"الواقعية"حينئذ أن ينتهب أكبر قدر من اللذات في هذا العمر المحدود قبل أن تفوت إلي غير رجعة! ولا يكون للحلال والحرام عنده يومئذ معني, إنما يكون اهتبال الفرص المتاحة هو الغاية التي تسوق الناس سوقًا فيتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام!.

{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (12) } [سورة محمد 47/12] .

أما حين يؤمن بالبعث والجزاء, والنعيم المقيم والعذاب الفظيع المتجدد:

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (56) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلًا} [سورة النساء 4/56-57] .

عندئذ يسهل عليه أن ينضبط في الحدود التي رسمها الله دون أن يشعر بالحرمان, لأنه يعلم أن كل متاع زائد يشتهيه في الأرض ثم يمتنع عنه طاعة لله, لن"يضيع"ولن يذهب بغير عودة, إنما هو"طاعة"تحسب له في الميزان, فينال عليها نعيمًا خالدًا في الجنان.... فتكون الحسبة بذلك رابحة, ولا تذهب نفسه حسرات علي المتاع الفائت الذي تركه طاعة لله. ومن جهة أخري فإن تصور العذاب الفظيع جزاء علي المخالفة التي يهم بها انسياقًا وراء شهواته, يجعله يري أن الامتناع عنها هو الصفقة الرابحة, وليس الانغماس فيها بلا انضباط علي طريقة الحيوان... ومن هنا تتأكد التقوى والخشية التي يبعثها الإيمان بالله.

من أجل ذلك كان الكتاب الذي يرسم منهج الحياة للناس في الأرض مرتكزًا كله علي الإيمان بالله واليوم الآخر, وكانت التوجيهات والتشريعات والتنظيمات الواردة في الكتاب, كلها موصولة بالإيمان بالله واليوم الآخر, أعظم محورين يدور حولهما الكتاب.

وليس هنا مجال تفصيل الموضوعات الواردة في كتاب الله وأثرها في بناء النفس البشرية, فقد تحدثت عن ذلك في غير هذا الكتاب (1) . ولكني أذكر هذه النبذة السريعة فقط في مجال بيان العوامل التي أنشأت ذلك الجيل المتفرد علي غير مثال, لأقرر أن القرآن بما يحويه من إشارات وتوجيهات, وتنظيمات وتشريعات, كان العامل الأكبر والأعظم في بناء النفوس المتفردة في التاريخ.

وحين نذكر القرآن نذكر السنة بلا شك, فهي المكملة والشارحة للكتاب المنزل, هي بيان ما أنزل الله وتفصيله:

{وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [سورة النحل 16/44] .

وموضوعات السنة هي موضوعات القرآن مع اختلاف النسبة بينهما. فلئن كان القرآن قد توسع في شرح قضية الألوهية من جميع أبعادها وأقطارها, ودخل بها إلي النفس البشرية من جميع مداخلها, من الحب والكره والخوف والرجاء والحسي والمعنوي والإيمان بالمحسوس والإيمان بالغيب (2) وخاطب النفس في جميع أحوالها, في الإقبال أحوالها, في الإقبال والإدبار, في رغبة والرهبة, في الارتفاع والهبوط, في السكون والحركة, في الطمأنينة والفزع, في الرخاء والشدة, في الوحدة وفي التجمع.

لئن كان القرآن قد توسع في هذه القضية ذلك التوسع فقد أجملت السنة, وإن كانت قد جاءت بما لا غناء عنه في تحديد المفاهيم الإيمانية, وتمييز الناس علي أساسها في الحياة الدنيا, والأحكام المتعلقة بذلك في المجتمع الإسلامي, ولئن كان القرآن قد أجمل في كثير من مواضع التشريع, فقد توسعت السنة وفصلت حتى أنت بالدقائق التي توضح للناس حلالهم وحرامهم في شتي تعاملاتهم.

(1) انئر إن شئت كتاب دراسات قرآنية الفصول الأولي بعنوان الإيمان بالله, الإيمان باليوم الآخر, الإيمان بالملائكة والكتاب والنبيين, قصص الأنبياء, آدم والشيطان, أخلاقيات لا إله إلا الله, وكذلك فصل كيف تربت الجماعة الأولي, من كتاب منهج التربية الإسلامية الجزء الثاني.

(2) انظر إن شئت فصل: خطوط متقابلة في كتاب منهج التربية الإسلامية الجزء الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت