الصفحة 20 من 678

ولقد فعل الإيمان بـ"لا إله إلا الله"فعله في نفوس أولئك المشركين, فأنشأهم نشأة جديدة كأنها ميلاد جديد.... ثم فعل فعله في نفوسهم بعد أن آمنوا فأصبحوا ذلك الجيل الفريد الذي نزل في وصفه هذا التقرير الرباني:

{كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} [سورة آل عمران 3/110] .

نعم... إنها"لا إله إلا الله"مفتاح القلوب, مفتاح الطريق لهذه القلوب حين تتجه الوجهة الصحيحة وتهتدي بنور الله.

ذلك أن الإنسان-كما قلنا في أكثر من موضع- عابد بفطرته.... وإنما يختلف المعبود الذي يتوجه إليه بالعبادة.

وعلي حسب المعبود يكون منهج الحياة....

فحين يكون المعبود هو الله يكون منهج الحياة هو المنهج الرباني المبين فيه الحلال والحرام, والحسن والقبيح, والمباح والغير مباح.... وحين يكون المعبود شيئًا آخر, يكون منهج الحياة هو الذي يمليه ذلك الشيء المعبود, سواء كان هو الهوي صراحة دون مواربة أم كان هو الهوي من وراء أستار وشعارات وعناوين ومن ثم تتعدد الصور في الجاهليات المختلفة وتلتقي في أنها كلها هوي... إن يكن هوي فرد بعينه أو مجموعة أفراد أو هوي كل الناس مجتمعين.... فكلها في النهاية أهواء.

والمنهج الرباني هو الذي يُصلح الحياة البشرية والنفس البشرية لأنه منزل من عند اللطيف الخبير الذي يعلم من خلق ويعلم ما يصلحه وما يصلح له, ومنزل من عند تصرف قد يقع اليوم يحيط علمه بكل شيء فلا تخفي عليه خافية, ولا يغفل عن أثر تصرف قد يقع اليوم ولكن أذره لا يظهر إلا بعد فترة من الزمن لا يستوعبها عمر الفرد؛ ومنزل من عند الحكم العدل الذي لا تميل بعدله الأهواء, الغنّي الذي لا تؤثر في حكمه المصالح الذاتية والحاجات.... وذلك كله فضلا عن أنه هو الله الذي يحق له وحده أن يقرر منهج الحياة للإنسان, لأنه هو خالقه وخالق هذا الكون كله, فبما أنه صاحب الخلق فهو صاحب الأمر:

{أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) } [سورة الأعراف 7/54] .

ولن يستقيم الإنسان للمنهج الرباني حتى يعلم صدقا ويقينا أنه لا إله إلا الله. عندئذ يسلم نفسه لله الواحد الأحد؛ حين يستيقن أنه هو الرزاق ذو القوة المتين, وأنه الضار النافع, وأنه هو المحيي المميت, وأنه هو مدبر أمر الكون كله, وهو صاحب المشيئة النافذة فيه, وأن كل ما عداه لا يملكون شيئًا علي الحقيقة, وكل ما يملكونه في الظاهر يملكونه بمشيئة من الله وبقدر من الله.

عندئذ"يسلم"الإنسان! أي يسلم قيادة لله, فيتقبل قدره ومشيئته, ويتقبل أوامره ونواهيه, ويتقبل منهجه في الحياة.

ثم إن إقامة هذا المنهج في الأرض لا تتم بمجرد رغبة الناس في إقامته, أو إسلام أنفسهم له. فقد سبق في مشيئة الله وقدره ألا يكون الناس أمة واحدة.

{وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} [سورة هود 11/118-119] .

فهناك إذن من لا يؤمن بلا إله إلا الله, ومن يكرهها ويحاربها ويحارب أهلها ويقاوم منهجها.... ومن ثم تحتاج إقامة هذا المنهج في الأرض إلي مجاهدة أولئك الكافرين بلا إله إلا الله, الكارهين لمنهج الله.

والجهاد من أجل إقامة المنهج الرباني في الأرض يعرض الإنسان للأذى, ويعرضه للموت, ويعرضه للحرمات من متاع الأرض.

ويحتاج القلب البشري لكي يدخل معمعة الجهاد بشتى أنواعه وشتى مخاطره أن يؤمن مرة أخري أنه لا إله إلا الله! وأن الله هو الذي يحيي ويميت, وهو الذي يضر وينفع, وهو الذي يقبض الرزق ويبسط... وإلا تزلزلت قدماه علي الطريق عند أول اهتزازة تحدث في هذا الإيمان!.

لحظة واحدة يهتز فيها الإيمان القلبي الداخلي بأن الله -وحده- هو الذي يحرك الأقدار بمشيئته, وهو الذي يقدر النفع أو الضر أو الحياة أو الموت أو بسط الرزق أو قبضه... تختل الخطي علي الطريق, وينكص صاحبها علي عقبيه, إلا أن يتولاه الله برحمته, فيثبت إيمانه, فتثبت خطاه من جديد!.

ومن أجل ذلك كانت لا إله إلا الله هي الإعداد للجهاد كما كانت من قبل هي مفتاح الإسلام. إسلام القلب لله.

وحتى في السلم... في البحبوحة والراحة... فهناك هذه الثقلة التي تقعد بالقلب البشري عن"الاستقامة"علي الطريق.... ثقلة الشهوات المزينة المحببة للناس: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [سورة آل 3/14] .

ولن يصمد القلب البشري لهذه الثقلة, بكل ما تحمله من إغراء وجذب, إلا أن يؤمن إيمان اليقين أنه لا إله إلا الله, وأن هذه الحياة الدنيا ليست نهاية المطاف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت