الصفحة 19 من 678

لقد كان العرب شتيتًا متناثرًا لا يتجمع علي شيء, رغم وجود مقومات التجمع الأرضية كلها من وحدة الأرض, ووحدة الأرض, ووحدة اللغة, ووحدة الثقافة, ووحدة التاريخ, ووحدة المصالح... تلك التي يقول علم الاجتماع الجاهلي إنها هي التي تنشئ"الأمة". ولكن الأمة مع ذلك لم تنشأ رغم مرور الزمن المديد علي هذا الشتيت المتناثر وهو يحمل تلك المقومات. بل كانوا قبائل متناحرة تأكلها الحروب والثارات, وتأكلها قبل كل شئ جاهليتها التي تعيش فيها مجافية للهدي الرباني.

ومن هناك رفعها الإسلام, لا أفرادا ولا قبائل, ولكن"أمة"هي أعظم أمة في التاريخ بشهادة الله مخرجها إلي الوجود: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [سورة آل 3/110] .

فمن أي شئ تكونت هذه الأمة الفذة, وما العوامل التي أثرت في تكوينها ونشأتها؟.

لا شك أن خامتها هي ذات الخامة التي كانت تعيش في ذات الأرض قبل هذا الحدث العظيم لعدة قرون. ولكن شيئًا ما -فعله كفعل السحر- قد أنشأ من هذه الخامة في سنوات قليلة نسيجًا غير مسبوق لا ملحوق... فما هو يا تري ذلك الشيء العجيب التأثير, الذي أخرج ذلك النسيج الفذ من تلك الخامة التي ظلت لقًي مهملًا عدة قرون؟‍‍!.

لا شك -بادئ ذي بدء- أنه القرآن... ذلك الكتاب العظيم الذي نزل ليعيد بناء البشرية علي هدي الوحي الرباني:

{إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [سورة الإسراء 17/9] .

{وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) } [سورة الزخرف 43/4] .

ماذا يفعل القرآن في النفوس؟ هل يغير خامتها فيخرجها من بشريتها لتكون خلقًا آخر؟ كلا! فقد نزل للبشر, لا ليبدل فطرتهم, بل ليعيدهم إلي فطرتهم التي فطرهم الله عليها يوم خلق الإنسان {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [سورة التين 95/4] .

{فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (30) } [سورة الروم 30/30] .

أرأيت حين تمرر المغنطيس لي قطعة من الحديد, أتراه يغير طبيعتها؟ كلا! ولكنه يعيد ترتيب ذراتها فتصبح شيئًا آخر غير قطعة الحديد المبعثرة الذرات! تصبح كيانًا جديدًا له طاقة مغناطيسية كهربائية لم تكن له من قبل! وكذلك يفعل في نفوس البشر هذا الدين المنزل في كتاب الله. إنه يتخلل النفوس البشرية فيعيد ترتيب ذراتها, فتصبح قوي كونية وطاقات, بعد أن كانت مبعثرة من قبل, ضائعة في التيه.

فأي شيء في هذا الكتاب العظيم هو مصدر ذلك السر الذي يحول الخامات المبعثرة الضائعة إلي طاقات؟ أهو نسقه اللغوي المعجز؟ أهو قوة بيانه؟ أهو وضوح معاينة؟ أهو حديثه عن اليوم الآخر وما فيه من مشاهد تهتز لها أوتار القلوب؟ أهو تشريعاته وتوجيهاته وتنظيماته؟ أهو قصصه وأمثاله وعبره؟ أهو تذكيره الدائم بعظمة الله جل جلاله وقدرته المعجزة التي لا تحدها حدود؟!.

إنه ولا شك كل ذلك.... فكل حرف في هذا القرآن له دلالته في مكانه, وله جانبه من التأثير.

ولكننا لا نكون مخطئين إن قلنا إن أوسع موضوعات القرآن جميعًا هو موضوع الألوهية.... هو قضية لا إله إلا الله.

ولقد قلت في غير هذا المكان (1) , إنه يخطر لنا لأول وهلة أن تركيز القرآن -وخاصة في السور المكية- علي هذه القضية سببه أن القرآن كان يخاطب بادئ ذي بدء قومًا مشركين, يشركون مع الله آلهة أخري, فكان من المناسب التركيز علي قضية"لا إله ألا الله"لتصبح عقائد أولئك المشركين... ولكن استمرار القرآن في الحديث عن هذه القضية في السور المدنية, وفي الكلام الموجه للمؤمنين خاصة, الذين آمنوا واستقر الإيمان في نفوسهم حتى أنشأوا أمة مسلمة ودولة مسلمة, وجيشًا مسلمًا يقاتل في سبيل الله, قاطع الدلالة علي أن القضية لها أهميتها الذاتية, حتى لو كان المخاطبون مؤمنين! فالتركيز عليها ليس ناشئًا من إنكار المخاطبين بهذا القرآن أول مرة, إنما هو ناشئ من أنها هي المفتاح الذي القلوب البشرية للخير, وينشئ فيها الخير, ويربيها علي الخير, ويُنْتجُ منها الخير! وأنه لا يوجد مفتاح لهذه القلوب, يهيئها لما تهيئه لها لا إله إلا الله!.

وحين تكون القلوب منكرة تخاطب بهذه القضية لتتفتح للحق والخير... وحين تكون مؤمنة تخاطب بها كذلك ليتعمق الإيمان فيها ويتجدد, لأنه الزاد الذي لا زاد سواه. انظر إلي هذا التوجيه للمؤمنين:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ} [سورة النساء 4/136] .

إنه يقول للذين آمنوا آمنوا! وهم مؤمنون بذات الأمر الذي يراد منهم الإيمان به! وذلك لكي يزدادوا إيمانًا ويحرصوا علي ما في قلوبهم من الإيمان!.

(1) في كتاب دراسات قرآنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت