وجعلوها معيارًا ومقاسًا، لا بل صيروها مَحَكًّا يعرضون عليها سائر الحوادث )) [1] ، والواجبُ على أمة القرآنِ هو التصدي لشبهات المستشرقين وأباطيلهم وتحريفاتهم للقرآنِ الكريم؛ امتثالًا لقوله تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] وقوله: {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 42] ، وقد نوه الله تعالى بعظمة القرآنِ بذِكرِ حِفظِه له قبل نزوله فقال تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 11 - 16] ، وحفظه أثناء نزوله، فقال: {وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ} [الإسراء: 105] ، وحفظ الله تعالى القرآن بعد نزوله كما وعد، وسيبقى محفوظًا إلى قيام الساعة، وامتثالًا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم الذي حثنا على العناية بالقرآنِ الكريم والاهتمام به وتقديره وصَونه، يقول طَلحَةُ بن مصرّف: سَأَلتُ عَبدَ اللهِ بنَ أَبِي أَوفَى: أَوصَى النَّبِيُّ صَلى اللهُ عَليهِ وَسَلمَ؟ فَقَال: لا، فَقُلتُ: كَيفَ كُتِبَ عَلى النَّاسِ الوَصِيَّةُ، أُمِرُوا بِهَا ولم يُوصِ؟ قَال: أَوصَى بِكِتَابِ اللهِ [2] . قال الحافظ ابن حجر [3] رحمه الله: (( ولعل النبيَّ صلى الله عليه وسلم اقتصر على الوصية بكتاب الله؛ لكونه أعظم وأهم، ولأن فيه تبيانَ كل شيء إما بطريق النص، وإما بطريق الاستنباط، فإذا اتبع الناس ما في الكتاب عملوا بكل ما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم به؛ لقوله تعالى: وَمَا
(1) انظر: الفكر العربي المعاصر في معركة التغريب والتبعية الثقافية ص 326.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فضائل القرآن، باب الوَصاة بكتاب الله عز وجل ص 1093.
(3) أحمد بن علي بن محمد الكناني العسقلاني أبو الفضل شهاب الدين، ابن حجر، من أئمة العلم والتاريخ، له مؤلفات كثيرة، قال السخاوي عنه: (( انتشرت مصنفاته في حياته وتهادتها الملوك وكتبها الأكابر ) )توفي سنة 852 هـ، انظر: الأعلام للزِّرِكلي 1/ 178.