ونتيجةً لقول بعض المستشرقين إن مصدر القرآنِ هو محمد أجاز بعضهم القراءة بالمعنى، فزعم بلاشير وجولدتسيهر [1] وغيرهما على جواز قراءة القرآنِ بالمعنى، وأنه لا يهم مطابقته لحرفية اللفظ، واستدل جولدتسيهر على زعمه بما نسبه لعثمان بن عفان رضي الله عنه من قراءة آية آل عمران {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} [آل عمران: 104] بإضافة (( ويستعينون الله على ما أصابهم ) )وبما نسبه لابن مسعود من قراءته (( أرشدنا الصراط المستقيم ) )بدلًا من {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} ، مغيرًا الكلمة بمرادفها، واستدل بقول ابن مسعود رضي الله عنه كذلك: (( لقد سمعت القراء ووجدت أنهم متقاربون فاقرؤوا كما علمتم فهو كقولكم: هلم وتعال ) )، واستدلالهم باطل؛ لأن قراءة عثمان رضي الله عنه قراءة آحاد لا يُعتد بها ولا تُعَدُّ قرآنًا؛ لعدم استيفائها شرط التواتر، ويؤكد ردها إحراق عثمان رضي الله عنه -المنسوبة له هذه القراءة - لكل مصحف احتوى أمثال هذه القراءات، قال أبو حيان [2] تعقيبًا على هذه القراءة: (( ولم تثبت هذه الزيادة في سواد المصحف ولا تكون قرآنًا ) ) [3] ، وكذلك قراءة (أرشدنا) في الفاتحة عن ابن مسعود، وقد حمل العلماء هذه القراءات على أنها قراءاتٌ تفسيرية، وذلك لأنها آحاد
(1) إجناس مستشرق مجري موسوي يلفظ اسمه بالألمانية (( إجناتس جولد تسيهر ) )، له تصانيف باللغات الإنجليزية والألمانية والفرنسية في الإسلام والفقه والأدب العربي، الأعلام 1/ 84.
(2) محمد بن يوسف بن علي بن يوسف الغرناطي الأندلسي أبو حيان، من كبار العلماء بالعربية والتفسير والحديث والتراجم واللغات، من كتبه البحر المحيط في تفسير القرآن توفي سنة 745 هـ، انظر الأعلام 7/ 152.
(3) تفسير البحر المحيط 1/ 10.