وهناك أمرٌ مهم يجب أن نعيه، وهو أن ما يكتبه البشر يحمل الطابَع البشري، وهذا ما لا نجده في أسلوب القرآنِ الكريم ومضمونه الذي يحمل رَوعة الأسلوب، فهو محكمُ السَّردِ، دقيق السَّبْك، متين الأسلوب، قوي الاتصال، نُظمت حروفه وكلماته، ونُسِّقت جمله وآياته، وجاء آخره مساوقًا لأوله، وبدا أوله مواتيًا لآخرِه [1] ، كما قال في محكم التنْزيل: {كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ} [هود: 1] ، وهذا يسودُ القرآنَ من مبتدئه إلى منتهاه، إذ لا يستطيع البشرُ الإتيانَ بمثله [2] ، فهو كلام الواحد الديان {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82] ، فالأسلوب الأدبي للقرآن الكريم أسلوب رفيع عال يفوق أي أسلوبٍ من الأساليب العربية الأخرى، سواءٌ أكانت قصيدةً أم نثرًا مسجوعًا أم غير مسجوع، أو شعرًا، فلغة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على رصانةِ ألفاظه وقوة فصاحتِه وبلاغته، فقد أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم، وهو ما بدا واضحًا في سنته عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك كله لا يمكن أن يصل لمستوى القرآنِ الكريم فهو معجزٌ، عجزت الإنس والجن عن أن يأتوا بمثله ولن يستطيع أحدٌ الإتيانَ بمثله ولو كان بعضهم لبعضٍ ظهيرًا، بعكس الحديث النبوي فإن أعجز عامة الناس الإتيان بالأسلوب البشري فلا يعجز بعض خاصتهم الإتيان بأسطرٍ منه، وبالمقارنة بين القرآنِ والسنة يتضحُ الفرق بين الأسلوب الإلهي الذي يدل على روعة النظمِ القرآني وبين الأسلوب البشري، قال ابن عطية: (( لو نُزعت منه لفظة
(1) انظر: مناهل العرفان 1/ 61.
(2) مصدر القرآن ص 295.