الصفحة 16 من 86

الخلق عنه، والذي يشتمل عليه بديع نظمه المتضمن للإعجاز وجوه، منها: ما يرجع إلى الجملة، وذلك أن نظم القرآن على تصرف وجوهه واختلاف مذاهبه خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم، ومباين للمألوف من ترتيب خطابهم، وله أسلوب يختص به ويتميز في تصرفه عن أساليب الكلام المعتاد، وذلك أن الطرق التي يتقيد بها الكلام البديع المنظوم تنقسم إلى أعاريض الشعر على اختلاف أنواعه، ثم إلى أنواع الكلام الموزون غير المقفى، ثم إلى أصناف الكلام المعدل المسجع، ثم إلى معدل موزون غير مسجع، ثم إلى ما يرسل إرسالًا، فتطلب منه الإصابة والإفادة وإفهام المعاني المعترضة على وجه بديع وترتيب لطيف )) . إلى أن قال: (( إن عجيب نظمه وبديع تأليفه يتفاوت ولا يتباين على ما يتصرف إليه من الوجوه التي يتصرف فيها من ذكر قصص ومواعظ واحتجاج، وإعذار وإنذار، ووعد ووعيد، وتبشير وتخويف وأوصاف، وتعليم أخلاق كريمة، وشيم رفيعة، وسير مأثورة وغير ذلك من الوجوه التي يشتمل عليها ) ). ثم قال: (( وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حدٍّ واحدٍ في حسن النظم وبديع التأليف والرصف، لا تفاوت فيه ولا انحطاط عن المنْزلة العليا، ولا إسفاف فيه إلى الرتبة الدنيا، وكذلك قد تأملنا ما يتصرف إليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة، فرأينا الإعجاز في جميعها على حدٍّ واحد لا يختلف، وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة تفاوتًا بينًا ويختلف اختلافًا كبيرًا، ونظرنا القرآن فيما ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت، بل هو على نهاية البلاغة وغاية البراعة، فعلمنا بذلك أنه مما لا يقدر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت