فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 302

103ـ بَاب رُكُوبِ البُدْنِ لقَوْلهِ ( وَالبُدْنَ جَعَلنَاهَا لكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ لكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَليْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالمُعْتَرَّ كَذَلكَ سَخَّرْنَاهَا لكُمْ لعَلكُمْ تَشْكُرُونَ لنْ يَنَال اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلكَ سَخَّرَهَا لكُمْ لتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ ) قَال مُجَاهِدٌ سُمِّيَتِ البُدْنَ لبُدْنِهَا وَالقَانِعُ السَّائِلُ وَالمُعْتَرُّ الذِي يَعْتَرُّ بِالبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ وَشَعَائِرُ اسْتِعْظَامُ البُدْنِ وَاسْتِحْسَانُهَا وَالعَتِيقُ عِتْقُهُ مِنَ الجَبَابِرَةِ وَيُقَالُ وَجَبَتْ سَقَطَتْ إِلى الأَرْضِ وَمِنْهُ وَجَبَتِ الشَّمْسُ (1)

(1) بَاب رُكُوبِ البُدْنِ) يعني جوازه، ركوب البدن يعني المراد به هنا المهداة إلى الحرم هل يجوز أو لا يجوز؟ والحكم: إنه يجوز بشرط أن لا يلحق البدنة شيء من الضرر أو التعب، يقول عز وجل: وَالبُدْنَ جَعَلنَاهَا لكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ نصب (البدنَ) بفعل محذوف يفسره ما بعده، وهذا يسمى عند النحويين الاشتغال؛ لأنه جاء الضمير ولو حذف الضمير لكان من باب تقديم المفعول وليس من باب الاشتغال، جَعَلنَاهَا لكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ جمع شعيرة: وهي المشروعات العظيمة التي يجب تعظيمها.

لكُمْ فِيهَا خَيْرٌ اللهم لك الحمد، صدق الله، لنا فيها خير عظيم، تحمل أثقالنا إلى بلد لا نصل إليه إلا بشق الأنفس، ونحلب لبن، فيها خير كثير ووبر، وبعر، يعني شيء كثير.

لكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ عَليْهَا صَوَافَّ يعني إذا أردتم نحرها فاذكوا اسم الله عليها، صواف: يعني مقيدة إحدى اليدين، وهي اليد اليسرى، فتكون قائمة على كم؟ ثلاثة قوائم، ويأتيها الناحر من الجانب اليمن فينحرها بيده اليمنى حتى تسقط على الأرض، ولهذا قال: (صواف) أي على ثلاثة قوائم فقط فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا أي سقطت جنوبها على الأرض؛ لأنه إذا نحرها تسقط حالًا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالمُعْتَرَّ فسر المؤلف القانع: بأنه السائل، والمعتر: الذي يعتريك ولكنه لا يسأل ولكن تعرف من حاله أنه يريد الإطعام، فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالمُعْتَرَّ كَذَلكَ سَخَّرْنَاهَا لكُمْ لعَلكُمْ تَشْكُرُونَ أي مثل هذا التسخير سخرناها لكم، أي ذللناها لكم (لعلكم) أي لأجل أن تشكروا الله عز وجل ، ثم بين تبارك وتعالى إنه ليس المقصود اللحم والدم ، المقصود شيء آخر، فقال: لنْ يَنَال اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ هذا هو الغرض من نحرها، وفي هذا إشارة إلى أن نحر الإبل عبادة مستقلة، وكذلك الأضاحي، ويُفهم منه خطأ أولئك القوم الذين إذا جاء وقت الأضحية دعوا الناس إلى التبرع بالمال، وليُضحى في أمكنة أخرى، وهذا فيها مفسدة وفوات مصلحة، وكذلك إننا إذا سرنا بالناس على هذا المنهج صار الناس يعتقدون إن الأضاحي مجرد صدقة ولا يشعر إنه يتقرب إلى الله بذبحها، وهذا هو المهم أن يتقرب إلى الله بذبحها.

ثانيًا: إننا إذا سرنا بالناس على هذا المنهج لتعطلت البلاد الإسلامية من شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وهي الأضحية؛ لأن كل أحد يسهل عليه أن يُعطي مائتي ريال أو ثلاثمائة ريال ويسلم من الذبح والتعب والرائحة والدم، فتتعطل البلاد عن هذه الشعيرة.

ثالثًا: ومنها أنه يفقد الإنسان الذكر عليها وهي مصلحة عظيمة تسمي الله عليها، ولذلك كان الذكر له أثر عظيم في هذه النحيرة أو الذبيحة لو ترك التسمية حرمت وصارت ميتة، هذا الذكر الذي هو شرط في حلها سيفقده إذا أعطاها دراهم وضحى في بلاد ما ندري بعد من ينتفع بها المسلم أو الكافر.

رابعًا: أن هذه الشعيرة تُفقد في الأهل؛ لأن الأضحية إذا جاءت إلى البيت فرح بها الأهل والصبيان، وقالوا: هذه أضحيتنا، وكل واحد يقول: هذه لي، وهذا يقول: هذه لي، فيشعرون بالفرح وربما يركبونها، يتمتعون بركبوها، فإذا ذهبت دراهم إلى محلات أخرى، ذهب هذا ونسيت في الأجيال القادمة.

خامسًا ومن ذلك أيضًا أن الله أمر بالأكل منها {فكلوا منها} ، والهدي الذي يذهب به إلى أماكن بعيد، لا يأكل منه، مع أن الأكل منها واجب عند كثير من العلماء يرون أن الأكل منها واجب، لأمر الله به، ولأن الله قدم الكل على إطعام الفقير فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطْعِمُواْ الْبَائِسَ الْفَقِيرَ وهذا يفوت.

سادسًا: ومنها أنك لا تدري ماذا يُضحى لك به، ربما يأتي إنسان بأضحية لا تجزي، أما لصغر سنها، وإما لعيوب فيها ، وهذا واضح، ما كل من وكل يعرف الواجب.

سابعًا: ومنها أن هؤلاء الذين يتقبلونها يلمون الدراهم جميعًا ، ويشترون قطعان الغنم، ويذبحونها عن أصحاب هذه الدراهم ، فلا يعينون أن هذه لفلان ، وهذا يعني أن الشاة الواحدة تجزي عن كم؟ عن آلاف الناس مشاعًا، كل واحدة تجزي عن آلاف الناس؛ لأنهم جعلوها هذا مشاعًا لا يعرفونه، كأنها كومة من طعام يأخذونها ويتصدقون بها، وهذا لا يجزئ، أصلًا لا يجزئ، وبذلك يجب على هؤلاء الذين يتلقونها أن يضعوا قوائم بأسماء الناس، فيفتح القائمة ويقول: تعالى حضر الغنم، هذه عن فلان، باسم الله اذبح، هذه عن فلان، هذه عن فلان، لابد وإلا لذبح الواحدة لآلاف البشر، والبعير وهي البعير لا يجزئ فيها إلا سبعة .

ثامنًا: ومنها أن هذه الدراهم للأضاحي ربما يكون الوارد على الهيئة المسؤولة آلاف لا تجدها في هذا البلد الذي أرسلت الدراهم له، كما جرى قبل سنوات بالنسبة للهدي في منى، عدمت المواشي ، انتهت واضطروا إلى تأخيرها على ما بعد أيام التشريق، فمن يضمن إنه توجد هذه الآلاف المؤلفة في هذا البلد، ثم إذا وجدت من يضمن أن هناك جزارين يستوعبون أن يضحوا بهذه الأضاحي في أوقات الذبح.

ثم من يأخذ اللحم، لذلك أرى أن طلبة العلم عليهم واجب في هذه المسألة، أن يبينوها للناس؛ لأن الناس انجفلوا في هذا الأمر وكل واحد يسهل عليه أن يأخذ ستمائة أو خمسمائة ريال، ويقول: خذ هذه أضحيتي ضحها في أقصى الشرق أو أقصى الغرب، لماذا؟ إذا أردت أن تنفع إخوانك فأرسل لهم دراهم طعام لباس فرش خيام .. الأمر واسع . أما شعيرة من شعائر الإسلام أنزل الله فيها آيات متعددة، ونوه بها وأمر بذكره عليها نرسلها للناس؟ شيء عجيب، ولكن الناس انجفلوا ما عادوا يفكرون وطلبة العلم قل من ينبه على هذا.

طيب نرجع للآيات، يقول: لنْ يَنَال اللهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ ما التقوى؟ التقوى بدلًا من أن يُذبح للأصنام اتقى المسلمون ذلك، وذبحوا لله الملك العلام عز وجل، فهذا من تقوى الله تبارك وتعالى.

كَذَلكَ سَخَّرَهَا لكُمْ لتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ كرر هذا تسخيره لنا هذه الإبل، أرأيتم لولا تسخير الله لها، من يقدرها؟ لا أحد إذا كان الذئب كفخذ الناقة لا يستطيعه الإنسان، فكيف بالناقة؟ فلولا تسخير الله لها ما قدرناها، الناقة الكبيرة القوية يقودها صبي صغير له سبع سنوات، ويقودها إلى أين؟ إلى لمصلحته، كأن يريد أن يشد عليها أو يحمل عليها، أو إلى مجزرها يعني محل نحرها، وهي تابعة مذللة والحمد لله، وإلا لعجزنا عنها. قال: وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ من المحسنون؟ الذين ينحرونها تقربًا إلى الله، ويذكرون اسم الله عليها، بشرهم بالقبول، والثواب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت