وكان يوجّه الدعاة إلى الله على بصيرة إلى أن يكون هذا أول مطالب الدعوة لا يتجاوزونه إلى بقيّة أركان الإسلام حتى يقبل؛ فقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: «... فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأنِّي رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أنّ الله فرض عليهم خمس صلوات ...» متفق عليه.
وكان هذا أساس ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدّين، قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء} [البينة: 5] .
وكان آخر ما خاطب به أصحابه وآل بيته رضي الله عنهم أجمعين عند موته: التّحذير من الشرك ووجوب سدّ ذرائعه؛ فقد صحّ عن أبي عبيدة أنّ آخر ما تكلّم به النبي صلى الله عليه وسلم: «واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» رواه أحمد.
وقالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يَقُمْ منه: «لعنة الله على اليهود والنّصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد» ، وعن جندب أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: «... ألا وإنّ من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإنّي أنهاكم عن ذلك» رواه مسلم.
فالشرك الأكبر بتعظيم قبور الأنبياء والصالحين ودعائهم أو الذبح والنّذر لهم أو الاستغاثة بهم وطلب المَدَد منهم ونحو ذلك من العبادات؛ هو أكبر الكبائر والموبقات، وهو أصل الأوثان والأصنام منذ قوم نوح، فقد ورد في «صحيح البخاري» و «تفسير الطبري» من تفسير ابن عباس لقول الله تعالى عن قوم نوح: {وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} [نوح: 23] قال: «أولئك أسماء رجال صالحين لمّا ماتوا أوحى الشيطان إلى من بعدهم أن ابنوا في مجالسهم أنصابًا» .