وكما يحدث في كل تنظيم لم يَخْل أمر الحسبة والهيئة من طرائف ومبالغات وأخطاء؛ ففي زمن الحسبة استنكر أهلها لُبْس الرجال السّاعة على المعصم خوفًا من التّشبّه بالنّساء، واستنكروا المذياع لما يبثّ من أصوات المعازف والمغنّين، بل استنكروا الدرّاجة الهوائيّة وسُمّيَت (حصان إبليس) ووقاني الله شرّها فلو صُغِّر أوّل اسمها لشاركتني في الاسم ولربّما ظنّ ظانّ أنّ ذلك سبب حرصي على امتلاكها واستعمالها مدّة ثلاثين سنة قبل أن تضيق الطّرقات بالسيّارات، وكنت أتنقّل بها بين المنزل والعمل حتى آخر أيّامي في وزارة المعارف مديرًا عامًّا للتّعليم الثانوي، وكان وزير المعارف د. عبد العزيز الخويطر (وهو آخر وخير من عملت معه فيها دِيْنًا وخُلُقًا وسمتًا وعدلا، وكان وحده رمز الاقتصاد في مجتمع الإسراف) كان يسألني كلّما قابلته في الوزارة: (وِيْن الكَدْلَك؟) ، وكان السَّمَر بعد العشاء (قبل الكهرباء) مثيرًا للشكّ، وبقليل من التّنصّت والتّبصّر قد تثبت التّهمة؛ فقد عَرَفْتُ أنّ شراء فقير نصف صاع من الأرز (الهورة) وأَكْل الأرزّ نادر في الماضي نتج عنه نَفْي رجل وجَلْد رجل وامرأة، وفيما دون ذلك؛ طَرَقَ رجال الهيئة باب منزل ارتفعت منه أصوات رجال يلعبون الكيْرَم بعد صلاة العشاء أنساهم الحماسُ الحذَرَ، فخرج صاحب المنزل وأنكر اللَّعِب واللاعبين، فجاء أحد رجال الهيئة بالبيّنة: (سمعت أحدكم يقول: سقَطتْ في الجفيرة) ، وأنكر رجال الهيئة على رجال يستعينون على عملهم بالنّشيد فجحد المنشدون نشيدهم، ومرّة أخرى جاء رجل الهيئة بالبيّنة: (سمعتك أنت يا هذا تقول: شيلوه) فلم يجد المتّهم وجهًا لاستمرار الجحود فقال: (لا بالله إن قلت: شيلوه فأنا الآن أقول: حطّوه) .