وفي المسجد يجلس القاضي للرّاغبين في طلب العلم الشرعي من الرّجال في التّوحيد والتّفسير والحديث والفقه عامّة والفرائض خاصة، ولا يكاد المسجد يخلو من دَرْس بعد صلاة العصر في فضائل الأعمال لعامة النّاس من كتاب رياض الصالحين للنّووي يوميًّا، ودَرْس بين حين وحين للإعداد لامتحان القبر: مَنْ ربك وما دينك وما هذا الرجل الذي بُعِثَ فيكم؟
3)السّوق: وهو شرّ البقاع يحتاج أهله لمن يذكّرهم بالله وبأوامره ونواهيه وبآلائه وأيّامه؛ لأن أكثرهم منشغلون بمعاشهم ومِهَنِهم وتجارتهم الدّنيويّة عن حضور حلقات العلم والموعظة في المسجد والمدرسة؛ فقد يجلس القاضي على عتبة أحد محلات التّجارة في أحيان متباعدة ليعوّضهم عمّا فاتهم من الخير.
4)الحسبة، أو التطوّع للأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر: أوّل مؤسّسات الدّعوة المستقلة وأهمّها وأعظمها أجرًا، ومنذ عرفت الحياة خارج المنزل أدركت أن بضعة رجال من أهل شقراء يقومون بهذه الوظيفة العظيمة تعاونًا على البرّ والتقوى واحتسابًا للأجر من الله وحده فيما يظهر من حالهم، وكان والدي - رحمه الله - واحدًا منهم أكثر من ربع قرن فيما علمت منه.
وكان من أهمّ ما يأمرون به: الصّلاة على وقتها في المسجد، وأهم ما ينهون عنه تطفيف المكيال والميزان، وكان القاضي وهو وليّ الأمر في شقراء عونًا لهم على القيام بهذا الأمر العظيم وقد شهدتُ مرارًا إقامة أمير شقراء (وهو وليّ التّنفيذ) الحدّ بالجلد (على من ثبت استحقاقه له) ومرّةً بالنفي.