ويوم عرفت قواعد التجويد قبل ستّين سنة ظننت - كما يظن أكثر المسلمين العرب اليوم - أنّها من شرع الله ووحيه، فتكلّفت الإمالة في {مَجْرَاهَا} [هود: 41] ، والإشمام في {تَأْمَنَّا} [يوسف: 11] ، وتسهيل الهمزة الثانية في {أَأَعْجَمِيٌّ} [فصلت: 44] ، والمبالغة في قلقلة {الْفَلَقِ} [الفلق: 1] ، وزيادة حركات المدّ في {الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7، الأنعام: 77، الشعراء: 20، 86، الواقعة: 92] وأيّ مدّ متّصل (وجوبًا) لقول الناظم: (والأخذ بالتجويد حتم لازم) يوم تخلّف المسلمون فحكّموا النّظم في شرع الله، وتكلفت الالتزام بالسّكتة (اللطيفة) في {بَلْ رَانَ} [المطففين: 14] ، وتكلّفت محاولة الجمع بين (التزام إخراج الحرف من مخرجه وإظهاره) وبين (التزام إخفاء الحرف وإدغامه) وتكلّفت عدم الوقوف على آخر الآية إذا تعلّقت بالآية بعدها في {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ } [الماعون: 4] ، رغم أن الله شرع الوقوف وسنّه رسوله، ورغم قول الله تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ} [القمر: 17، 22، 32، 40] ثم صرفنا الفكر والهوى ومن ورائهما الشيطان إلى الشكل المبتدع فعسّرنا القرآن، وإلى التّحفيظ عن التّدبّر.
وذكرت الشيخين ابن باز والألباني بنعمة الله عليهما وبهما لإعادة المسلمين إلى الدليل فيما عدى تلاوة القرآن، فردّ كلّ منهما بأنه ليس مختصًّا بالتّجويد، وكذلك كان كلٌّ منهما يتبع المختصّين في المذهب الحنبلي أو الحنفي دون اهتمام بالدّليل من الوحي، ثم ردّهما الله وردّ المسلمين بهما إليه في هذا العصر جزاهما الله خير جزائه.
أما أنا فقد قبلْتُ نعمة بالله بالتّيسير والقراءة بالحرف الذي يسّره لي وعرفته جزيرة العرب وتركت الالتزام بالإمالة والإشمام والتّسهيل والقلقلة الكبرى والسكتة اللطيفة وحرصت على الوقوف على رأس كلّ آية، والذكر عند آخرها بما يناسبها.
الدَّعوة في جزيرة العرب بعد منتصف القرن 14