ومما يدل على رجاحة وحضور بديهته لحل المشكلات، الطريقة التي ابتكرها لإشراك المتنازعين في وضع الحجر الأسود.
وقد وثقت به خديجة لما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه فاستأجرته ليتاجر بها وضاعفت له الأجر، كانت - رضي الله عنها - امرأة عاقلة شريفة فلما عاد صلى الله عليه وسلم وأخبرها غلامها عن حميد صفاته دعته عليه الصلاة والسلام وقالت له: إني رغبت فيك لقرابتك مني وشرفك في قومك وأمانتك عندهم وحسن خلقك وصدق حديثك ثم عرضت عليه نفسها فلما تزوجها كان مثال الزوج الصالح وكان موضع احترامها وتقديرها، يدل على ذلك قولها له بعد نزول الوحي وهي تهدىء روعه:"والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكلّ وتكسب المعدوم وتَقري الضيف وتعين على نوائب الحق"وقد كانت أول من آمن به، وقال رسول الله في حقها:"أفضل نساء الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران وآسية بنت مزاحم" (امرأة فرعون) . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليها كثيرًا أمام عائشة - رضي الله عنها - حتى أدركتها الغيرة، فالوفاق بينهما في المعيشة الزوجية كان بالغًا حده ولا شك أن هذا من حسن الخلق وصفاء السيرة والسريرة. ولما أدركت عائشة - رضي الله عنها - الغيرة من حسن ثنائه صلى الله عليه وسلم على خديجة قالت: هل كانت إلا عجوزًا فقد أبدلك الله خيرًا منها، فغضب رسول الله حتى اهتز مقدم شعره من الغضب ثم قال:"لا والله ما أبدلني الله خيرًا منها. آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني وكذبني الناس، وواستني في مالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها أولادًا إذ"
حرمني أولاد النساء"، قالت عائشة: فقلت في نفسي: لا أذكرها بسيئة أبدًا. فكان عليه السلام متحليًا في صغره وشبابه بخير الخلال وأجل الصفات بعيدًا عن الشبهات."
رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ثباتها من التوراة والإنجيل