وقد ارتاب بعضهم في حكاية هذا النذر، لكنا لا نرى مندوحة عن ذكرها لأنها وردت في أمّهات كتب التاريخ التي استقينا منها، فقد رواها ابن إسحاق ونقلها الطبري وابن الأثير وابن سعد في"طبقاته".
ولما بلغ أولاد عبد المطلب عشرة وعرف أنهم سيمنعونه أخبرهم بنذره فأطاعوه وقالوا: كيف نصنع؟ قال: يأخذ كل رجل منكم قِدْحًا ثم يكتب فيه اسمه. ففعلوا وأتوه بالقداح، فدخلوا على هُبل في جوف الكعبة وكان أعظم أصنامهم، وهو على بئر يجمع فيه ما يهدى إلى الكعبة، فقال عبد المطلب لصاحب القداح: اضرب على بنيّ هؤلاء بقداحهم هذه وأخبره بنذره الذي نذر، وكان عبد الله أصغر إخوته وأحبهم إلى أبيه، فلما أخذ صاحب القداح يضرب، قام عبد المطلب يدعو الله تعالى، ثم ضرب صاحب القداح فخرج قدح عبد الله، فأخذ عبد المطلب بيده ثم أقبل إلى (إساف ونائلة) وهما الصّنمان اللذان ينحر الناس عندهما، فقامت قريش من أنديتها فقالوا: ماذا تريد أن تصنع؟ قال: أذبحه. فقالت قريش وبنوه: والله لا ندعك تذبحه أبدًا حتى تُعذر فيه، ولئن فعلت هذا لا يزال الرجل منا يأتي بابنه حتى يذبحه، فقال له المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم: والله لا تذبحه حتى تعذر فيه فإن كان فداؤه بأموالنا فديناه.
وقالت قريش وبنوه: لا تفعل، وانطلق إلى كاهنة بالحجر فسلها، فإن أمرتك بذبحه ذبحته، وإن أمرتك بمالك وله فيه فرج قبلته. فانطلقوا حتى أتوها فقصَّ عليها عبد المطلب خبره، فقالت لهم: ارجعوا اليوم حتى يأتيني تابعي فأسأله، فرجعوا عنها، ثم غدوا عليها فقالت: نعم قد جاءني الخبر فكم دية الرجل عندكم؟ قالوا: عشرة من الإبل وكانت كذلك، قالت: ارجعوا إلى بلادكم وقربوا عشرًا من الإبل واضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرج على صاحبكم فزيدوا في الإبل عشرًا ثم اضربوا أيضًا حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم.