والثالث: أنّ الشرع شدَّد في الشهادة أكثر من الرواية (1) ؛ لتوهُّم العداوة، فاشترط العددَ والحريّة، ووسَّعَ في كثير من العقود المستثناة (2) ، وضيَّقَ في الشهادة في الزنا فلم يَقْبَلْ فيه إلا أربعةً يشهدون بالزنا: كالميل في المكحلة (3) ، وقَبِلَ في القتل اثنين، والدماءُ أعظمُ لكن المقصود الستر، ولم يحوج الزوجَ الملاعنَ إلى بيِّنة غير أيمانه، ولم يوجِّه عليه (4) حدَّ القَذْف، بخلاف سائر القَذَفة لشدَّة الحاجةِ في الذبِّ عن الأنساب وصَوْنِ العِيال والفُرُشِ عن الارتياب.
وهذه المباينات والاختلافات كثيرةٌ في الشرع؛ لاختلاف الأحوال؛ فلذلك ينبغي أن يراعى اختلاف الأحوال في الأزمان، فتكون المناسبةُ الواقعةُ في هذه القوانين للسِّياسة ممَّا شهدت لها القواعد بالاعتبار، فلا يكون من المصالح المرسلة، بل أعلى رتبةً فيلحق بالقواعد الأصلية.
(1) في الأصل: الولاية: والمثبت من (( معين الأحكام ) ) (ص177) ، و (( تبصر الحكام ) ) (2: 154) .
(2) مثل: العرايا والمساقاة والقراض. ينظر: (( معين الحكام ) ) (ص177) .
(3) أي يشهدون بفعل الزنا برويتهم إياه كما يرى الميل في المكحلة.
(4) في الأصل: يوجد إليه، والمثبت من (( معين الأحكام ) ) (ص177) ، و (( تبصر الحكام ) ) (2: 154) .