قال ابنُ قَيِّم الجَوْزيّة (1) : ما علمت أحدًا من أئمّة المسلمين يقول: إنّ هذه المدَّعَى عليه بهذه الدعوى وما أشبهها يَحْلِفُ (2) ويرسلُ بلا حبسٍ ولا غيره (3) ، وليس تحليفُه وإرسالُه مذهبًا لأحدٍ من الأئمّة الأربعة ولا غيرهم، ولو حَلَّفنا كلَّ واحد منهم وأطلقناه وخَلَّينا سبيلَه مع العلمِ باشتهارِه بالفسادِ في الأرض وكثرةِ سرقاتِه وقلنا: لا تأخذه إلاَّ بشاهدي عدل كان مخالفًا للسِّياسة الشرعيّة.
ومَن ظنَّ أنَّ الشرعَ تحليفُه وإرسالُه فقد غَلِطَ غلطًا فاحشًا لنصوصِ رسول الله عليه السلام ولإجماع الأمّة؛ ولأجل هذه الغلطِ الفاحشِ تجرّأ الولاةُ على مخالفة الشرع، وتوهَّمُوا أنّ السِّياسةَ الشرعيّةَ قاصرةٌ عن سياسةِ الخلق ومصلحةِ الأمّة، فتعدّوا حدودَ الله، وخرجوا عن الشرع إلى أنواعٍ من الظلم والبدع في السِّياسة على وجه لا يجوز، وسبب ذلك الجهل بالشريعة، وقد صحّ عنه عليه السلام: (( إنّ مَن تمسّك بالسنّة والكتابِ لن يضلّ ) )، وقد تقدّم في أوّل الباب من أفعال رسول الله عليه السلام ما يدلّ على عقوبةِ المتّهم وحبسه.
واعلم أنّ هذا النوع من المُتَّهمين يجوزُ ضربُه وحبسُه لما قامَ على ذلك الدليلُ الشرعيّ. ذكرَه في (( معين الحكام ) ) (4) .
وفيه أيضًا (5) : عن (( الإصلاح ) ): رجل دخل على رجل في منْزله فبادره ربّ المنْزل فقتله، وقال: إنّه دَاعِرٌ دخل عليَّ ليَقْتُلَنِي، فإن كان الداخلُ معروفًا بالدّعارة لم يجب القصاص، وإن لم يكن معروفًا وجب.
(1) في (( الطرق الحكمية ) ) (ص91) .
(2) في الأصل: يحلفه، والمثبت من (( معين الحكام ) ) (ص178) ، و (( الطرق الحكمية ) ) (ص91) .
(3) في الأصل: محض، والمثبت من (( معين الحكام ) ) (ص178) ، و (( الطرق الحكمية ) ) (ص91) .
(4) معين الحكام )) (ص178) .
(5) أي في (( معين الحكام ) ) (ص178) .