قال عمر بن عبد العزيز (- رضي الله عنه:"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور". فأجاز ـ كما ترى ـ إحداث الأقضية واختراعها على قدر اختراع الفجار للفجور، وإن لم يكن لتلك المحدثات أصل. [1]
وقد طعن ابن حزم بهذا الأثر، اعتقادا منه أن في هذه المقولة تغييرًا لأحكام الشرع لا يمكن أن يصدر عن محيي السنة ومميت البدعة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز فقال:"وأتى بعضهم بعظيمة فقال إن عمر بن عبد العزيز قال:"يحدث للناس أحكام بمقدار ما أحدثوا من الفجور". وتعقبه العلامة أحمد شاكر منكرًا عدم القول بتغير الأحكام بتغير الأزمان والأحوال، ومذكرًا بأن استحداث الأقضية مقيد باستحداث الفجور بقوله:"هذه كلمة حكيمة جليلة، لا كما فهم ابن حزم، فإن معناها أن الناس إذا اخترعوا ألوانًا من الإثم والفجور والعدوان استحدث لهم حكامهم أنواعًا من العقوبات والأقضية والتعزير - مما جعل الله من سلطان للإمام - بقدر ما ابتدعوا من المفاسد، ليكون زجرًا لهم ونكالًا" [2] ."
وليس المقصود بتغير الزمان الانتقال من سنة إلى أخرى، أو من عقد إلى آخر، أو من قرن إلى آخر، فليس هذا هو المؤثر، وإنما المقصود تغيُّر الإنسان بتغير الزمان، فالمقصود هنا فساد الناس وتغير أخلاق الناس من الصلاح إلى الفساد، ومن الاستقامة إلى الانحراف، ومن الأخوة إلى الأنانية، ومن الرحمة إلى القسوة، فالناس إذا تغيرت أخلاقهم ينبغي أن تتغير الفتوى والأحكام لتتماشى مع هذا التغير.
فتغير الزمان أمر مهم، وهو ما جعل علماء الحنفية يقولون عن الخلاف بين أبي يوسف ومحمد صاحبيْ أبي حنيفة وبين الإمام مؤسس المذهب، وقد خالفاه في نحو ثلث المذهب أو ثلثيْ المذهب كما قيل، قالوا: الاختلاف هنا اختلاف عصر وزمان، وليس اختلاف حجة وبرهان [3] .
ولا شك أن الشريعة الإسلامية فيها سعة ومجال للحكام وولاة الأمر لاستحداث أنظمة وقوانين شرعية و إجراءات ومعايير وقرارات وتعليمات لأجل دفع المفاسد ورفعها أو تصحيح المعاملات وتصويبها أو الاحتراز والاحتياط للمآلات والغايات.
(1) الشاطبي؛ الاعتصام، مرجع سابق، 1/ 301 - 303.
(2) ابن حزم، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الأندلسي القرطبي الظاهري (المتوفى: 456هـ) الإحكام في أصول الأحكام، الطبعة الأولى، مقدمة المحقق: الشيخ أحمد محمد شاكر، قدم له: الأستاذ الدكتور إحسان عباس، بيروت: دار الآفاق الجديدة، 6/ 109 - 110.
(3) السرخسي، محمد بن أحمد بن أبي سهل (ت:438هـ) (1409هـ - 1989م) ، المبسوط، دار المعرفة 8/ 178،والإمام الزيلعي، عثمان بن علي، (2000م) تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق وحاشية الشِّلْبِيِّ، الطبعة الأولى، السعودية: دار الكتب العلمية1/ 43، الحنفي، محمد اكمل الدين ابن محمود (1830م) العناية شرح الهداية، تصحيح: حافظ أحمد كبير وآخرون، الطبعة الأولى، الهند: كلكتا.5/ 128 الشوكاني، محمد بن علي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير، الطبعة الأولى، بيروت: دار الفكر3/ 301، النسفي، أبو البركات عبد الله بن أحمد بن محمود (ت 710 هـ) البحر الرائق شرح كنز الدقائق (في فروع الحنفية) بيروت: دار الكتب العلمية، منشورات: محمد علي بيضون 6/ 229،ابن عابدين، محمد أمين بن عمر (1407هت - 1987م) حاشية ابن عابدين، الطبعة الثانية، بيروت: دار إحياء التراث العربي، 5/ 466.