قال ابن الأزرق:"إِن التَّوسعَة بهَا على الْحُكَّام لَا تخْتَلف دَلِيل مشروعيتها بل هُوَ شَاهد لَهَا بِالِاعْتِبَارِ على أوضح دلَالَة وَبَينهَا الْقَرَافِيّ من وُجُوه يَكْفِي مِنْهَا اثْنَان، أَحدهمَا: أَن الْفساد الْمُنْتَشِر بعد الْعَصْر الأول مُوجب لاخْتِلَاف الحكم لَكِن بِحَيْثُ لَا يخرج عَن الشَّرْع بِالْكُلِّيَّةِ دفعا للضَّرَر وَالْفساد. قلت وَهُوَ قَول عمر بن عبد الْعَزِيز (- رضي الله عنه: تحدث للنَّاس أقضية بِقدر مَا أَحْدَثُوا من الْفُجُور، زَاد الشَّيْخ عز الدّين: وَأَحْكَام بِقدر مَا يحدثُونَ من السَّيِّئَات والمعاملات والاحتياطات. قَالَ وَهِي على القوانين الأول غير أَن الْأَسْبَاب تَجَدَّدَتْ وَلم تكن فِيمَا سلف قَالَ الْمقري: فَإِذا وجدت وَجب اعْتِبَارهَا. [1] "
و إننا في هذا العصر نعيش في مجتمعات مكونة من مجموعة منشآت إدارية دائمة التطور والتغير وتسارع في تغير المصالح والمفاسد الأمر الذي يتطلب تغييرا مستمرًا للأنظمة والإجراءات والقرارات والتعليمات؛ احتياطا للمصالح ودفعًا أو رفعًا للمفاسد. قال الشيخ مصطفى الزرقا - رحمه الله:"قد يكون (تغير الزمان) الموجب لتبديل الأحكام الفقهية الاجتهادية ناشئًا عن فساد الأخلاق، وفقدان الورع، وضعف الوازع، كما يسمونه (فساد الزمان) "."وقد يكون ناشئًا عن حدوث أوضاع تنظيمية، ووسائل مرفقية جديدة، من أوامر قانونية مصلحية، وترتيبات إدارية، وأساليب اقتصادية ونحو ذلك". [2]
وكل ذلك داخل في تغير الأحوال الذي يؤدي إلى تغير الأقضية والأنظمة، قال محمد العلوي في معرض كلامة عن الريسوني: إن الريسوني جعل المقولة المشهورة عن عمر بن عبدالعزيز:"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور"قاعدة في باب المقاصد، حيث وضح من خلال كتابه أن الفراغ التنظيمي والفقهي في مسألة إدارة الشورى وإدارة الاختلافات السياسية شكّل على الدوام سببا لتحكم منطق القوة والغلبة، بكل ما يعنيه ذلك من فتن وصراعات وتصفيات دموية"، مقدما أربع قواعد لإدارة الشورى، وهي:"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور، سد الذرائع، المصالح المرسلة، الاقتباس من الغير لما فيه مصلحة وخير". [3] "
هذا الفراغ التنظيمي والفقهي في مسألة إدارة الشورى وإدارة الاختلافات السياسية جعل الحاجة داعية إلى سنّ أنظمة وفق فقه الدولة والحكم، ويسميها الشيخ محمد رشيد رضا (ت:1354هـ) - رحمه الله - بالاشتراع الإسلامي والخلافة وحل سياسي يبنى على مقولة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز، فقال:"نُرِيد بالاشتراع مَا يعبر عَنهُ عندنَا بالاستنباط وَالِاجْتِهَاد، وَفِي عرف هَذَا الْعَصْر بالتشريع وَهُوَ وضع الْأَحْكَام الَّتِي تحْتَاج إِلَيْهَا الْحُكُومَة لإِقَامَة الْعدْل بَين النَّاس وَحفظ الْأَمْن والنظام، وصيانة الْبِلَاد، ومصالح الْأمة وسد ذرائع الْفساد فِيهَا. وَهَذِه الْأَحْكَام تخْتَلف باخْتلَاف الزَّمَان وَالْمَكَان وأحوال النَّاس الدِّينِيَّة والمدنية كَمَا قَالَ"
(1) ابن الأزرق، محمد بن علي بن محمد الأصبحي الأندلسي، أبو عبد الله، شمس الدين الغرناطي (المتوفى: 896هـ) ، بدائع السلك في طبائع الملك، المحقق: علي سامي النشار،، الطبعة: الأولى، العراق: وزارة الإعلام، ص295.
(2) الزرقا، مصطفى (ت1420هـ) المدخل الفقهي العام، الطبعة الأولى، دمشق: دار القلم 2/ 941ص ص 941 - 951.
(3) العلوي محمد؛ الريسوني يدعو لمأسسة نظام الشورى، مقال نشر بموقع اسلام اون لاين بنافذة: (شرعي/ فتاوى الناس/ إمامة ونظم) .