السلطانَ لو أجرى حدودَ اللهِ -كما أنزلها الله- بلا هوادة؛ لَكَفَّ كثير من الناس عن الباطل. ولكن الناس في هذه الحالة لم يرعووا عن غيهم طاعة لله ورسوله؛ بل خوفًا من السلطان!. فكثير من الناس ? {يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً?} (النساء:77) ؛ فلذلك فهم مخالفون؛ لا يرتدعون بكلام الله ورسوله، وإنما يرتدعون خوفًا من عقوبة الحكام؛ لأن سوطهم مرفوع، وسيفهم مشهور [1] .
وينحصر الوازع السلطاني في تنفيذ الوازع الديني؛ لذا فالأنظمة تأتي بعد الوازع الديني، تابعة وخادمه له، فالمهم في نظر الشريعة هو الوازع الديني اختياريًا جبليًا كان أو جبريًا بقوة السلطان ولذلك يجب على ولاة الأمور حراسة الوازع الديني من الإهمال، فإن خيف إهماله أو سوء استعماله وجب عليهم تنفيذه بالوازع السلطاني [2] ، وقد أوضح الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز - رحمه الله - هذه المهمة في أول خطاب للأمة، جاء فيه قوله:"ألا إني لست بقاضٍ ولكني منفّذ، ألا وإني لست بمبتدع ولكن متبع، ألا إنه ليس لأحد أن يُطاع في معصية الله" [3] ، وهو بذلك يبين أن وظيفة ولي الأمر الأساسية هي تسخير الوازع السلطاني لخدمة الوازع الديني.
ومن المعلوم أنه ليس للإمام إن لم يكن مجتهدًا أن يستنبط الأحكام الشرعية بنفسه، وليس لأحد أن يمنع الإمام من مزاولة حقه الشرعي في سنَّ قانون يلزم الناس بأحكام شرعية استنبطها المجتهدون في الشريعة [4] ، ومن المعلوم أن الأحكام تختلف، فمنها ما لا تخيير فيها ولا يمكن سنّ نظام في محل حكم شرعي دون إزالة أو إزاحة الحكم الشرعي الأمر الذي متى غلب على الظن حرم معه سنّ الأنظمة؛ لذا فالأنظمة تسنُّ فقط كخادمة ومنفذة ومبينه لمحل الحكم الشرعي. ومن المعلوم أن المهمة الحقيقية التي يعهد بها الإمام إلى الجهة التنفيذية في الدولة الإسلامية هي تنفيذ الأحكام الإلاهية وتهيئة الظروف في البلاد والمجتمع لتنفيذها. وما الهيئة التنفيذية إلا ما عبر عنه"بأولي الأمر"في القرآن الكريم و"بالأمراء"في السنة النبوية، وقد تأكد الأمر بطاعتهم وتكرر في القرآن والسنة [5] . وكما هو ظاهر ومعلوم أن الذي يدرس مشاريع الأنظمة ويصوغها والذي يصدر الأنظمة ويسنَّها والذي يطبق الأنظمة ويعمل بها، إنسان غير معصوم، لهذا جاءت أحكام الشريعة لتحول دون إساءة الاستخدام الأنظمة، وتوجيه الوازع السلطاني لخدمة الوازع
(1) أخرجه ابن شبة في «تاريخ المدينة» (3/ 988) ، وأخرجه الخطيب في «تاريخ بغداد» (5/ 173) ، وينظر، الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسية للتوزيع،1978م، (ص:128) ، ينظر، http://www.binbaz.org.sa/mat/19318 ، 12/ 01/ 1433 ه، وينظر، http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t= 11596http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t= 11596 ، 12/ 01 /1433 ه.
(2) وينظر، الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسية للتوزيع،1978م، (ص:129) .
(3) ابن الجوزي، الحافظ جمال الدين أبي الفرج عبدالرحمن، (1331هـ) سيرة عمر بن عبدالعزيز، نسخه وصححه ووقف على طبعة محب الدين الخطيب، مطبعة المؤيد، مصر، ص:51 - 57)
(4) مفتي و الوكيل، التشريع وسن القوانين في الدولة الإسلامية"دراسة تحليلية"، 1410هـ - 1990م، مرجع سابق،32.
(5) بتصرف، أبو الأعلى المودودي، تدوين الدستور الإسلامي، الدار السعودية للنشر والتوزيع، جده، 1405ه، (ص: 35) .