الصفحة 36 من 74

لذا فوظيفة السلطة السياسية في الإسلام هي تطبيق الأحكام الشرعية وحمايتها، فلا تنشئ الدولة لنفسها نظامًا قانونيًا، لتسمح لنفسها بما تشاء ثم تدعي أنها تقيد نفسها وتحترم قوانينها من تلقاء ذاتها، وهو ما يعرف بنظرية التحديد الذاتي. فالسلطة السياسية للدولة في الإسلام غير مخولة ولا تملك إزاء أحكام الشريعة تعديلًا أو تفسيرًا بالهوى، قال مفتي والوكيل:"لا يجوز للدولة مطلقًا الرجوع إلى مصادر لم تثبت شرعيتها عند إصدارها لتشريعاتها أو قوانينها كما لا يجوز لها الاستشهاد بالمصادر غير الشرعية كالقوانين الجرمانية أو الفرنسية أو غيرها مثلًا، أو العادات والتقاليد والأعراف المخالفة للشرع. كما يلزم الدولة الإشارة إلى المصدر الشرعي عند سن القوانين والتنظيمات، وذلك لأن الشرع الإسلامي ربط بين شرعية الحكم والتزام أحكام الإسلام، ورتب على ظهور قوانين الكفر فقدان شرعية الدولة" [1] ، وبذلك يكون النظام الإسلامي قد قضى وبشكل نهائي على معضلة السلطة السياسية الوضعية، وقوام ذلك أن الشريعة هي الحاكمة لا يعلوها قانون أو قواعد أخرى وينتفي بذلك الصراع بين الدولة وعموم الناس فيما يتعلق بالتوازنات القائمة بين مصالح الفرد ومصالح المجتمع بين الحرية والسلطة [2] ، ويتحقق ذلك بتوجيه الأنظمة لتكون وفق الشريعة من حيث عدم المخالفة والتيسير على الناس، فأحكام الشريعة مبنية على التيسير نظرًا لغالب الأحوال؛ وكذلك يجب أن تكون الأنظمة. و الشريعة تعمد إلى تغيير الحكم الشرعي من صعوبة إلى سهولة في الأحوال العارضة للأمة أو الأفراد فتيسر ما عرض له العسر؛ وكذلك الأنظمة يجب أن تكون ميسرة لكل عسر أو حرج عارض [3] .

الوازع السلطاني

وتعد الأنظمة من الوازع السلطاني الخادم والمتمم للوازع الديني، فمتى ضعف الوازع الديني في زمن أو قوم أو في أحوال يظن أن الدافع إلى مخالفة الشرع في مثلها أقوى على أكثر النفوس من الوازع الديني؛ هنالك يصار إلى الوازع السلطاني سواء من أنظمة أو تنظيمات أو سياسات وأوامر وقرارات، فيناط التنفيذ بالوازع السلطاني كما قال عثمان بن عفان (- رضي الله عنه:"يزع الله بالسلطان ما لا يزع بالقرآن" [4] ، والمقصود أن

(1) مفتي و الوكيل، التشريع وسن القوانين في الدولة الإسلامية"دراسة تحليلية"،،مرجع سابق،47.

(2) بتصرف انظر. أزرقي، محمد نجيب، و الجرباء، محمد عبدالعزيز، وسعيد، عصام بن سعيد، (1431هـ) القانون الدستوري السعودي: دراسة قانونية تطبيقية، الطبعة الأولى، مكتبة القانون والاقتصاد، الرياض،، (ص: 135، 142 - 143)

(3) ينظر بتصرف، الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، الشركة التونسية للتوزيع،1978م، (ص:124) .

(4) أثر مشهور عن الخليفة عثمان بن عفان (- صلى الله عليه وسلم - وهو عند ابن شبة في تاريخ المدينة من طريق: موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عثمان (- رضي الله عنه -. وهذه سلسلة من الأئمة المشهورين المعروفين، إلا أن يحيى بن سعيد لم يدرك عثمان بن عفان. فالسند فيه انقطاعٌ. لكن المتن مشهور متداول بين أهل العلم، ومعناه مما لا يختلف عليه أحدٌ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت