يقرءون كتبهم، ثم هم في التقصير على ما هم عليه." [1] "
انتهى الشاطبي إلى ما قاله اللخمي وفرّق بين المحدثات التي لها وجه صحيح وهي ليست مذمومة لتحدث لها أقضية أو أنظمة وبين المحدثات التي ليس لها وجه صحيح فتكون مذمومة تستدعي إحداث أقضية أو أنظمة، واستدل على ذلك بمقولة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - يرحمه الله -.
قال الشاطبي:"وفيه - يقصد كلام اللخمي - إجازة العمل بما لم يكن عليه من تقدم ; لأن له وجها صحيحا، فكذلك نقول: كل ما كان من المحدثات له وجه صحيح; فليس بمذموم، بل هو محمود، وصاحبه الذي سنه ممدوح، فأين ذمها بإطلاق أو على العموم؟ وقد قال عمر بن عبد العزيز:"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"، فأجاز كما ترى إحداث الأقضية واختراعها على قدر اختراع الفجار للفجور، وإن لم يكن لتلك المحدثات أصل" [2] .
تحرير مشروعية الأنظمة
معضلة الأنظمة
المشكلة الأساس لكثير من الدول الإسلامية اليوم تكمن في التنافس الواضح بين مصدريْن متناقضيْن للسلطة النظامية والقانونية، التالي منها يصدر عن الدولة وغيرها من الجهات السياسية الأخرى، والأول منها يصدر عن الشريعة الإسلامية، التي كانت هي المصدر الوحيد للسلطة المهيمنة لأكثر من ألف عام ولا مثيل لها، في حين لم يظهر تقديم وإظهار الدولة كمصدر رسمي للسلطة إلا خلال القرنين الثالث عشر و الرابع عشر الهجرييْن، ومنذ أن تردد مصدر السلطة بين الاثنين حدث شرخ قانوني وسياسي أنتج موجة غير مسبوقة من الأزمات في المجتمعات المسلمة في جميع أنحاء العالم، وبخاصة تلك التي كانت مرتبطةً ارتباطا وثيقا بالدولة القومية [3] ؛ فقد صيغ هذا القانون من قبل موظفي الدولة- البيروقراطية الرسمية [4] -، وعلى أيدي
(1) الشاطبي، الاعتصام، مرجع السابق، ج 1/ص: 230.
(2) الشاطبي، نفس المرجع، ج 1/ص: 231.
(4) البيروقراطية ( Bureaucracy) ترجع أصول هذه الكلمة إلى اللغة الألمانية، وتتكون من شقين: هما ( Bureau) وتعني مكتب، و ( Cracy) وتعني حكم، والكلمة في مجملها تعني"حكم المكتب". وفي العام 1798م، عرّف قاموس الأكاديمية الفرنسية"البيروقراطية"بأنها:"القوة والنفوذ اللذان يمارسهما رؤساء الحكومة وموظفو الهيئات الحكومية". ومع بداية القرن التاسع عشر ظهرت ثلاثة معانٍ للبيروقراطية: الأول: ينظر إليها بوصفها أسلوبًا في الحكم والإدارة، يمكن مقارنتها بالملكية والديموقراطية والأرستقراطية. الثاني: يركز على شكل معين من البيروقراطية بأنها السلطة والقوة، التي تُمنح للأقسام الحكومية وفروعها وتمارسها على المواطنين. أما الثالث والأخير: فيميل إلى إبراز مخاطر البيروقراطية أسلوبًا إداريًا عقيمًا. والجدير بالذكر أن مفهوم البيروقراطية ـ بشكله العلمي السليم ـ يتمثل في أنه تنظيم تتحكم في بنيته وفي العمليات التي يقوم بها القواعد المدونة إلى حد كبير. ويتمثل جوهر هذه القواعد في هرمية المكاتب، أي في أدوار وظيفية محددة تحديدًا دقيقًا، وفي أشخاص متفرغين للعمل بأجر مدفوع. وتحدد القواعد الإدارية والقانونية علاقة كل مكتب بغيره من المكاتب، وإدارة الأعمال كل مكتب، وتحدد نظام تجنيد العاملين للبيروقراطية، وأي ترقيات تتم فيما بعد. والتنظيمات التي توجه بهذه الطريقة متميزة تميزًا تامًا عن الأفراد العاملين، كما تعمل على نحو يمكِّن التنبؤ بها تنبؤًا تامًا. والمنطق القائم وراء البنية الأساسية للبيروقراطية هو قيام عملية منضبطة انضباطًا تامًا، خالية من التحيز والارتباط بالأشخاص؛ أي أن البيروقراطية تحُل إدارة الأشياء محل إدارة الأشخاص، بمعنى أنه يصبح لا وجود -في أحسن الأحوال- للبشر بل هي حالات فقط. غير أن المشكلة التي يمكن أن تُثار هنا تتعلق بطبيعة القواعد والتعليمات ووظيفتها في الحياة الاجتماعية. فمن الحقائق الثابتة أن البيروقراطية لا تطبق نفسها بنفسها، وإنما يطبقها موظفون يقومون بتفسير معناها وتقويم ملائمتها للمواقف الفعلية. بمعنى أن على الموظفين أن يصدروا أحكامًا عند ممارستهم لأدوارهم. وهذا يتضمن عناصر قيمية مهمة، ما يصعب معه وجود موظفين أو إداريين محايدين، أو أن يكون تطبيق القواعد تطبيقًا حرفيًا حتى يمكن تجنب سوء استخدام السلطة. البيروقراطية مفهوم اجتماعي وسياسي وإداري ذو وجهين: وجه يعبّر عن الكفاية والموضوعية والدقة وتحقيق الأهداف التنظيمية. والوجه الآخر يعبر عن الروتين وبطء الإجراءات الإدارية وسيطرة العلاقات الشخصية. والتمييز بين هذين الوجهين يمكننا من النظر إلى البيروقراطية نظرة موضوعية حيادية، نستطيع بها تحليل أبعادها، والكشف عن التأثير الذي تمارسه في مجتمعاتنا الحديثة.
ينظر، http://www.muqatel.com/openshare/Behoth/Mnfsia15/Bureaucrac/sec01.doc_cvt.htmhttp://www.muqatel.com/openshare/Behoth/Mnfsia15/Bureaucrac/sec01.doc_cvt.htm، 16 محرم، 1433ه.