الصفحة 33 من 74

الدول اليوم وليس من الأمور الاعتيادية؛ لذا فسن الأنظمة يعد تدبيرًا سياسيًا استثنائيًا، استدعاه الواقع المتغير بتغير الضرورات والحاجات، وهذا يكشف عن لزوم حضور الواقع في فكر ولاة الأمر، ولزوم متابعة مدى التزام الناس في إتيان مصالحهم وفق الأنظمة على الوجه المشروع للتصرف في المباحات، كما يكشف عن المرونة التي تتجلى في الشريعة من خلال مراعاة إلغاء النظام و العودة إلى أصل الإباحة بزوال مصلحة تقييدها [1] ، لكي لا تتراكم الأنظمة فتشق على الناس وتوقعهم في حرج، دون مصلحة تعود لهم أو للدولة جراء ذلك.

وبناءً على ما تقدم، يكون تقييد المباح احتياطا للمصالح المعتبرة بإطلاقها وتكثيرها ومنع دخول المفاسد عليها، وهذا عند التحقيق أحد أدوات وإجراءات مراعاة تغير وسائل وطرق المصالح المعتبرة بتغير وسائلها وطرقها المعاصرة بحيث تؤول المصالح والأنظمة المرعية إلى صيانة الشريعة وتجديد العمل بثوابت هذا الدين الحنيف وحمايتها بكل وسيلة مشروعة. مع التأكيد على أن تدخل الدولة إنما أبيح لإقرار الشرع له وليس نابعًا عن مجرد تصور الدولة للمصلحة العامة أو مسايرة للرأي العام أو غير ذلك [2] .

و من الأمثلة على تغير الطريق إلى مصلحة التعليم الشرعي، ما نقل عن تغير موقف علماء الأمة من كراهية تدوين العلم الشرعي في كتب؛ لأجل سد الذريعة إلى مفسدة، وهي كما نقل الشاطبي في كتابه الاعتصام"الخوف من الاتكال على الكتب استغناء بها عن الحفظ والتحصيل، وإما على ما كان رأيا دون ما كان نقلا من كتاب أو سنة"إلى أن قرر الشاطبي:"اتفاق الناس بعد ذلك على تدوين الجميع لما ضعف الأمر، وقل المجتهدون في التحصيل، فخافوا على الدين الدروس جملة" [3] ، ويمثل الخوف على انقطاع العلم جملة انقطاع الطريق إلى المصلحة والذي ترتب عليه حدوث مفسدة واقعة وكانت تلك مقابل سد الذريعة لأجل مفسدة متوقعة.

ويؤكد هذا المعنى قول اللخمي لما ذكر كلام مالك وغيره في كراهية بيع كتب العلم والإجارة على تعليمه، وخرَّج عليه الإجارة على كتبه، وحكى الخلاف، وقال:"لا أرى اليوم أن يختلف في ذلك أنه جائز؛ لأن حفظ الناس وأفهامهم قد نقصت، وقد كان كثير ممن تقدم ليست لهم كتب، قال مالك: ولم يكن للقاسم ولا لسعيد كتب، وما كنت أقرأ على أحد يكتب في هذه الألواح، ولقد قلت لابن شهاب: أكنت تكتب العلم؟ فقال: لا، فقلت: أكنت تحب أن يقيدوا عليك الحديث؟ فقال: لا. فهذا كان شأن الناس، فلو سار الناس لسيرتهم، لضاع العلم، ولم يكن بيننا منه إلا رسمه، وهكذا الناس اليوم"

(1) ينظر، اللاوي، سلطة ولي الأمر في تقييد المباح، نفس المرجع، ص:158،160.

(2) مفتي و، الوكيل، السيادة وثبات الأحكام في النظرية السياسية الإسلامية، مرجع سابق، ص: 93).

(3) الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد الغرناطي (1412هـ / 1992م) الاعتصام، المملكة العربية السعودية، الخبر: دار ابن عفان، ج 1/ص: 230

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت