الصفحة 32 من 74

والأصل التأقيت في تقييد المباح؛ لأن التقييد السلبي والإيجابي الذي يترتب على سنّ الأنظمة عمل اجتهادي يهدف إلى جلب مصلحة ودفع مضرة؛ لذا فهو أمر عارض أصل الإباحة فيزول بزوال مبرراته، أضف إلى ذلك أن كثرة تقييد المباح بتبني الإمام لأحكام اجتهادية لتصدر الأنظمة على وفقها سيؤدي إلى تقييد الاجتهاد في المسائل الاجتهادية التي صدر فيها النظام، وفي ذلك إضعاف لفكر ونظر المعنيين بتطبيق النظام [1] .وقد ناقش ابن القيم هذه المسألة وبين أن التقييدات تصرفات سياسية صادرة عن الخلفاء ساسوا بها الأمة ثم تساءل في سبيل إثبات تعلقها بالمصالح المتغيرة فقال:"هل هي من الشرائع الكلية التي لا تتغير بتغير الأزمنة، أم من السياسات الجزئية التابعة للمصالح فتتقيد بها زمانًا ومكانًا" [2] ، وقد أجاب ابن عاشور عن هذ التساؤل فبين أن ذلك موكول لنظر المجتهد سدًا وفتحا، بأن يراقبوا مدة اشتمال الفعل على عارض فساد فيمنعوه، فإذا ارتفع عارض الفساد أرجعوا الفعل إلى حكمه الأصلي [3] ، ويأتي كلام ابن القيم وابن عاشور مقتضيًا التوسعة و الموافقة لمقولة الخليفة العادل عمر بن عبدالعزيز - يرحمه الله -"تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"، فأما التوسيع فمن جهة دخول السياسات التي يحدثها الخلفاء في قول عمر بن عبدالعزيز - يرحمه الله -"تحدث للناس أقضية"، ودخول الفساد في قوله"ما أحدثوا من الفجور"، و إشارة ابن القيم إلى سياسة تقييد المباح أنها من السياسات الجزئية التابعة للمصالح فتتقيد بها زمانًا ومكانًا، وتصريح ابن عاشور بمراقبة مدة اشتمال الفعل للفساد العارض يأتي على سبيل الموافقة لقول عمر:"بقدر".

و الأصل في الأنظمة أن تكون مؤقته وجواز تدخل الدولة بالمنع والإلزام مشروط بأن يكون مؤقتًا في الأفعال التي الأصل فيها عدم إيجابها على الرعية أو عدم منعهم من إتيانها، وعلى أن يكون التدخل في أحوال مخصوصة فقط" [4] ، والتأقيت المقصود هنا لا يحدد بزمن معين، وإنما بقاء العمل بالنظام ببقاء ما يبرره وبقاء أمر ولي الأمر به، وذلك - بحساب الزمن - قد يطول وقد يقصر والمحدد لذلك طبيعة العارض، ومن ثم يكون من المهم تحديد مدى العارض زمنًا ووقتا، وهذا صراط دقيق لا غنى عنه لمن تصدى لمهمة الإفتاء، ومن باب أولى يتأكد لمن تصدَّر مسؤولية الحكم وما يقتضيه ذلك من اجتهاد في سياسة أمر الناس. [5] "

فتقييد المباح بسنّ الأنظمة ليس أمرًا يكثر استخدامه في إطار السنة المالية الواحدة التي تعمل بها

(1) بتصرف، مفتي، محمد بن أحمد و الوكيل، سامي صالح (1410هـ - 1990م) التشريع وسن القوانين في الدولة الإسلامية: دراسة تحليلية، مركز البحوث - كلية العلوم الإدارية - جامعة الملك سعود (ص:38) .

(2) ينظر، ابن القيم، الطرق الحكمية، (ص:18) .

(3) ينظر، ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي، (مرجع سابق،0ص:163) ، و ينظر، اللاوي، سلطة ولي الأمر في تقييد المباح، (مرجع سابق، ص:151) .

(4) مفتي، محمد بن أحمد و الوكيل، سامي صالح (1411هـ - 1991م) السيادة وثبات الأحكام في النظرية السياسية الإسلامية"سلسلة بحوث الدراسات الإسلامية" (13) معهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي، جامعة أم القرى، مكة المكرمةص:49).

(5) ينظر، ابن ابراهيم، الاجتهاد وقضايا العصر، مرجع سابق، ص:286، و ينظر، اللاوي، سلطة ولي الأمر في تقييد المباح، (نفس المرجع، ص:151) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت