بقاعدة إذا"ضاق الأمر اتسع" [1] ، فمتى كان الخصم أحد الجهات الحكومية أو المسؤولين فيها؛ فقد تكون بينة المتظلم من المتعذر تحصيلها وذلك لوجودها لدى خصمه كما هو الحال في غالب التظلمات من تصرفات أو إجراءات الجهات الحكومية والعامة أو المتعلقة بعقود الإذعان، فيتعسر على المتظلمين الحصول على البينة فيضيق بهم الحال ويقع بهم الحرج الكثير، فبعض التراتيب الإدارية قد تؤدي إلى تعثر العمل الحكومي وامتناع المحاسبة على التقصير؛ لذا ينبغي ألا يقام نظام الحكومة على ضوابط ملتوية يعز على القائمين بالأمر أن يقوموا به وعلى المحاسبين أن يحاسبوا ويعيّنوا من جاء منه الخلل والفساد [2] .
ولأجل ذلك، أوسع عمر على الناس بتخفيف شروط البينة الكافية لإصدار قراره في المظلمة لرفع مفسدة قطع البينة عن صاحبها و الاحتياط لحقوق الناس ومراعاة فارق الحال بين الخصمين وتعظيم فرص ومصلحة رد الحقوق إلى أهلها.
فولي الأمر الإمام الأكبر هو المخول بسنّ الأنظمة التي تقيد المباح، وفق ما تقتضيه أحكام الشريعة السمحة. و لكن مع ذلك يبقى موقف تحديد المساحة الحرة وتقييدها موقفًا صعبًا وحرجًا ودقيقًا على الإنسان غير المعصوم، والتريث في هذا الأمر وعدم الاستعجال فيه من الإحسان؛ لأن ما زاد عمَّا يقتضيه الحال من درء أو رفع لمفسدة أو تخفيفها، أو من جلب لمصلحة وتكثيرها يعد تجاوزًا للحد المشروع وتجاوز الحد غير مشروع، وبخاصة أن تلك الأمور يصعب على عامة الناس في أكثر أحوالهم إدراك كامل الأمر ولا يرون سوى الجزء اليسير المتعلق بمصالحهم الشخصية، قال الخليفة الفاروق (- رضي الله عنه - لما حمى الربذة:"وأيم الله إنهم - أهل الربذة - ليرون أني ظلمتهم، أنها بلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية، وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عنهم من بلادهم شبرًا"، فتأكيده (- رضي الله عنه - الكلام بالقسم مؤذن بأن لهم شبهة قوية ناتجة عن نظرة جزئية في أن الخليفة ظلمهم وحاشاه (- رضي الله عنه - من ذلك والحاصل أنه قد يترتب على الحاكم تكلفة سياسية حتى في احتياطه للتوسعة على عموم المسلمين [3] .
والحريات تتسع بمقدار اتساع الأنظمة كيفًا، والإقلال منها كمًا، وتتسع الأنظمة وتقل كميتها بمقدار ما يجعل الناس في تناولهم للمصالح التي يحتاط لها النظام والمفاسد التي يقيدها؛ موافقة لمقاصد الشارع من التشريع ثم بحسب نمو أسباب التمدن والشعور بالمسؤولية، وبذلك يتأكد أن تقييد المباح بالأنظمة وما يدخل في حكمها ليس إلا تدبيرًا سياسيًا شرعيًا مؤقتا يحفظ المجتمع والدولة من أسباب الفرقة و الضعف و الانحلال [4] .
(1) عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي، الأشباه والنظائر، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1403ه، (ص:83) .
(2) بتصرف، المودودي، أبو الأعلى (1405هـ) تدوين الدستور الإسلامي، جده: الدار السعودية للنشر والتوزيع،،، (ص: 59) .
(3) ينظر ابن عاشور، أصول النظام الاجتماعي، (ص:177 - 178) ، وبتصرف، اللاوي، سلطة ولي الأمر في تقييد المباح، (مرجع سابق، ص:174) .
(4) ينظر، اللاوي، سلطة ولي الأمر في تقييد المباح، (نفس المرجع، ص:83) ، و الدريني، خصائص التشريع الإسلامي، هامش، (ص:276) ، نقلًا عن أقوم المسالك، (ص:305) .