الآتي:
-... أن لفظة (الفجور) في المقولة العمرية لا تزيد عن أن تكون قيدًا أغلبيًا أو حكاية واقع، أو قيدًا من القيود التي لا مفهوم لها. والقيد الأغلبي، وحكاية الواقع، والقيد الذي لا مفهوم له، كلها ألفاظ تدل على معنى واحد وهو حكاية الواقع والحال. وبهذا تصبح هذه الجملة العمرية شاملة لكل أبواب الفقه دون استثناء، وهو أسلوب معروف في لغة العرب والقرآن والسنة، ومن ذلك قوله (- عز وجل:? {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ?} (آل عمران:130) فأكل الربا أضعافًا مضاعفة قيد أغلبي؛ لأن المرابين كانوا يأكلون الربا أضعافًا مضاعفة وليس معنى ذلك أنه يجوز أكل الربا إذا كان أقل من الضعف، ومثل هذا كثير، وكله من قبيل التعبير عن الشيء بالغالب، أو بحكاية واقعه أو بأهم خصائصه، وعلى هذا تصبح الجملة العمرية قاعدة تشمل جميع ما يمكن أن يُحْدَث من أقضية توازي وتناسب جميع ما يمكن أن يَحْدُث من مخالفات وشرور وفجور.
-... أن كلمة (فجور) تدل في اللغة على مطلق العصيان والميل عن الحق. و القضاء أيضًا يطلق في اللغة على الحكم، سواء أكان حكمًا قضائيًا، أم فتيا، أم غير ذلك. وعمر بن عبدالعزيز - يرحمه الله- لم يكن يستخدم الاصطلاح الفقهي الذي يحصر القضاء في عملية الفصل في الخصومات، بل كان يستخدم إطلاقًا لغويًا واسعًا.
-... إن استخدام القضاة لقاعدة فقهية في مجال عملهم القضائي لا يحول القاعدة الفقهية إلى ضابط ولا يجعلها حكرًا عليهم، بل العكس هو الصحيح وهذا من المعاني التي حملت عليها هذه المقولة في الموسوعة الفقهية:"قال ابن عبد الحكم: كان عمر بن عبد العزيز يرد المظالم إلى أهلها بغير البينة القاطعة , وكان يكتفي باليسير إذا عرف وجه مظلمة الرجل ردها عليه , ولم يكلفه تحقيق البينة , لما يعرف من غشم (ظلم) الولاة قبله على الناس , ولقد أنفذ بيت مال العراق في رد المظالم حتى حمل إليها من الشام. وفي ذلك إطلاق ليد صاحب المظالم وتوسعة عليه؛ لمواجهة حالات الضرورات والنوازل والحوادث, وهو ما قصده الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز بقوله": تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور"وهو ما يقوم به القاضي بالاجتهاد والتحري [1] "، وهذا دليل على توسيع استخدام الخليفة لهذا المقولة خارج استعمال القضاء، إلى أمور الحكم والولاية العامة.
-... إن هذا المقولة تندرج تحت مجال تغير الأحكام واستنباط أحكام جديدة على غير سابق
(1) ، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، الموسوعة الفقهية: مادة (مظالم) 38/ 140.